warda

30 juin 2011

 


تاريخ الأفكار الاشتراكية  

تمثل الاشتراكية socialism عند عدد من المفكرين مجموعة متكاملة من الأفكار والمناهج والوسائل السياسية والاجتماعية التي تشترك، بصرف النظر عن الاختلاف في التفاصيل، في رفض المجتمع الاستغلالي، وتؤمن إيماناً لا يتزعزع بالتقدم الحتمي للمجتمعات، مؤكدة إرادتها في إقامة مجتمع أكثر عدلاً وكفاية وفي تحقيق المساواة الفعلية بين جميع الناس وجميع الأمم.

وتستخدم كلمة الاشتراكية مجموعات سياسية متباينة تختلف فيما بينها حول أسلوب تطبيق الاشتراكية، فالاشتراكية الخيالية أو الطوباوية utopic، التي سادت أفكارها في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر رداً على ما جلبته الثورة الصناعية ونمط الإنتاج الرأسمالي من بؤس وظلم واستغلال، نادت بالقضاء على النظام الرأسمالي وبالتحول السلمي التدريجي إلى النظام الاشتراكي. وحلم الاشتراكيون الطوباويون بمستقبل يتم فيه بناء مجتمع تتعايش فيه مصالح الرأسماليين والعمال بطريق الإقناع.

أما الاشتراكية الديمقراطية التي تمثل تياراً في الحركة العمالية المعاصرة ونوعاً من الاشتراكية الإصلاحية، فتقر باتباع الطرائق السلمية والتدريجية للتحول، وتفهم الاشتراكية على أنها مقولة أخلاقية أدبية.

وأما الاشتراكية الشعبية populism وهي نوع من الاشتراكية الطوباوية البرجوازية الصغيرة التي ظهرت في روسية القيصرية، فإنها تمزج بين أفكار الديمقراطية الزراعية الفلاحية والأحلام الاشتراكية والأمل في تجنب الرأسمالية. في حين تؤكد الاشتراكية العلمية مبادئ إلغاء استغلال الإنسان للإنسان، والتطور المخطط للمجتمع من أجل تحسين الوضع المعاشي والحياتي للجماهير الشعبية بما يتفق عموماً مع تحسين وضع كل فرد في المجتمع. وتعد الاشتراكية العلمية نظرية في إثبات الحتمية والضرورة التاريخية للاشتراكية وقانونية تحولها التدريجي إلى الشيوعية.

ومن وجهة النظر الماركسية، تمثل الاشتراكية المرحلة الأولى للشيوعية، وأساسُها الاقتصادي الملكية الاجتماعية لوسائل الإنتاج، وقاعدتها السياسية الجماهير الكادحة بقيادة الطبقة العاملة.

بذور الفكر الاشتراكي

عرفت بذور الفكر الاشتراكي منذ العصور القديمة وتعد جمهورية أفلاطون المثالية المبنية أساساً على النخبة المتميّزة الموهوبة من الناس جمهورية اشتراكية أرستقراطية. كما جاءت الديانتان السماويتان المسيحية والإسلام بمجموعة مبادئ تعد من صميم الفكر الاشتراكي. كذلك عرف العالم حركات تمثل رفضاً للواقع، ومحاولة لبناء مجتمع جديد يقوم على أساس العدالة والمساواة مثل ثورات العبيد في رومة وثورات الزنج والقرامطة في العصر العباسي، وحركات الفلاحين في الوطن العربي وسواه.

عرفت العصور الوسطى عدداً من رجال الدولة ورجال الدين من حملة المبادئ الاشتراكية والإصلاحية مثل «أبي ذر الغفاري» الصحابي المشهور و«توما الإكويني» و«توماس مور» المفكر الإنكليزي الإنساني النزعة و«كامبانيلا» الذي نادى ببناء مجتمع لا يعرف الاستغلال وسلطة المال، وغيرهم.

ورداً على فعل المظالم والتفاوت الطبقي الذي ولده نشوء الرأسمالية في أوربة طرح عدد من المفكرين الأوربيين مبادئ تهدف إلى نبذ الرأسمالية وإقامة اشتراكية بديلة تستند على الملكية الاجتماعية لوسائل الإنتاج. وقد انتقد هؤلاء تناقضات المجتمع البرجوازي وانعكاساته السلبية على الطبقات المقهورة من السكان. ويأتي في مقدمة هؤلاء المفكرين الذين وصفوا «بالاشتراكيين الطوباويين» سان سيمون، وشارل فورييه الفرنسيان، وروبرت أوين الإنكليزي. وكان هؤلاء يعتقدون أن بالإمكان إقامة مجتمع اشتراكي جديد بإقناع الطبقات الحاكمة بضرورة الاشتراكية من خلال تطوير «الطبيعة البشرية» وإقامة الجمعيات التعاونية. ومع أن الاشتراكيين الطوباويين استطاعوا التنبؤ ببعض ملامح النظام الاشتراكي المستقبلي فإنهم لم يكونوا قادرين على ربط نظرياتهم بنضال الطبقة العاملة من أجل إقامة المجتمع الاشتراكي والقضاء على أسلوب الإنتاج الرأسمالي.

والحقيقة أن أفكار الاشتراكية الطوباوية  جاءت رداً على تناقضات الرأسمالية وقدمت نقداً مصيباً لها، كما حملت بعض المبادئ التي أسهمت في بناء النظرية الاشتراكية إلاّ أنها لم تستطع أن تجعل من الاشتراكية نظرية علمية تتبناها الطبقة العاملة، وتتسلح بها في صراعها مع البرجوازية واستغلالها، في حين استطاع ماركس وأنغلز[ر] تحويل الاشتراكية من مذهب طوباوي إلى علم، ووضعا الأسس العلمية للاشتراكية، واستطاعا صوغ القوانين الرئيسية لتطور الاشتراكية في ضوء النظرية المادية الديالكتية والمادية التاريخية وفسرا على أساس اقتصادي الطابع العابر أو العرضي للرأسمالية ودور الطبقة العاملة التاريخي والعالمي.

بذور الفكر الاشتراكي عند العرب: حفل التاريخ العربي منذ الجاهلية بعدد من الاتجاهات والمذاهب ذات الطابع الثوري التقدمي، وتجسد بعضها في حركات تناهض الظلم والاستعباد. فظاهرة الصعلكة في العصر الجاهلي لم تكن سوى نتيجة مباشرة للتمايز الاقتصادي والاجتماعي، وكان صعاليك العرب فئة من الفقراء الذين انسلخوا عن قبائلهم، وأشهروا السلاح في وجه الأثرياء من قومهم، وناضلوا من أجل مجتمع تسوده المساواة وعلاقات الإخاء والتضامن بين الناس، في وقت كان فيه مجتمع الجزيرة العربية يتطور باتجاه الملكية الخاصة وعلاقات الاستغلال.

وفي صدر الإسلام عاش أبو ذر الغفاري مدافعاً عن مبادئ الإسلام الحنيف في المساواة والعدالة ورفض النظام الاجتماعي الجديد الذي أوجد طبقة من الأثرياء وأتاح لهم أن يكتنزوا الذهب والفضة ويستكثروا من المال من غير حد.

وفي العصر العباسي كانت دولة القرامطة أول تجربة اشتراكية على الأرض العربية في القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي). والقرامطة فرقة كانت تؤلف الجناح الأكثر ثورية في الإسماعيلية[ر]، وانخرطت في صفوفها فئات مختلفة من سواد الناس ومثقفيهم. وقد سعى القرامطة للقضاء على الدولة العباسية وعلى نظامها الاجتماعي الإقطاعي. وتلخصت أهدافهم في النضال من أجل تأسيس مجتمع يقوم على قواعد المساواة والعدل والشورى، مجتمع لا طبقي تنتفي فيه الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج الأساسية، وتسوده علاقات التعاون بين الجميع. كذلك ساوى القرامطة بين المرأة والرجل في الحقوق الأسرية وفي المجتمع.

ويعد ابن خلدون الذي عاش في القرن الرابع عشر الميلادي رائداً في مجال المادية التاريخية. وقد درس ابن خلدون تاريخ المغرب العربي على ما فيه من تناقضات ووصل إلى استخلاص العلاقة بين الأحداث والقوانين التي تحدد سير التاريخ، مبيناً أن الظواهر الاجتماعية تخضع لقوانين على درجة من الثبات والدوام، وأن هذه القوانين مرتبطة أساساً بالتطور الاقتصادي.

ماركس والاشتراكية الديمقراطية: قدم المفكرون الاشتراكيون قبل ماركس الكثير من الأفكار القيّمة التي رفدت الفكر الماركسي الذي سيطر في أوربة  في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر. فقد جمع كارل ماركس (1818-1883) بين الفلسفة الألمانية المثالية والاقتصاد السياسي البريطاني والاشتراكية الفرنسية. وفي «البيان الشيوعي» الذي تضمّن نظرياته حول جدلية تطور المجتمعات، ميّز ماركس نظريته من الاشتراكية العلمية واشتراكية الذين سبقوه ممن اسماهم بالاشتراكيين المثاليين. وأكد ماركس أن أفكاره تستند إلى الفحص العلمي لحركة التاريخ وإلى تطور الرأسمالية ومنجزاتها في زمنه. ويقول ماركس في هذا السياق «إن التاريخ يصنعه صراع الطبقات، وإن صراع البروليتارية مع أرباب العمل الرأسماليين سيقود في النهاية إلى إقامة مجتمع اشتراكي يقرر فيه المنتجون مصيرهم المشترك والمتحرر من أي قيود اقتصادية أو اجتماعية. وعند ذاك يصل الصراع الطبقي إلى نهايته». وقد اتفق فرديناند لاسال  Ferdinand Lassale مهندس الحركة العمالية في ألمانية مع ماركس على ضرورة التنظيم الطوعي الموحد للطبقة العاملة، إلا أنه خالف ماركس إذ دعا إلى أن تبادر الدولة إلى توفير الرأسمال اللازم لتأسيس التعاونيات الإنتاجية التي ستحرر العمال من التسلط الرأسمالي وكان ماركس يرى، على النقيض من لاسال، أن التماس ذلك من الدولة البرجوازية أمر خارج عن أي طرح.

وقد تأكد لماركس، الذي كان يؤيد في البداية الاشتراكية الديمقراطية، استحالة تحول الدول البرجوازية إلى أداة اشتراكية.

ومع أن زعماء الاشتراكية الديمقراطية الألمان كانوا يبدون ميلاً ظاهراً إلى التحدث حول نظريات ماركس الثورية، فقد كانوا، في واقع الأمر، ينساقون باطّراد إلى النشاط البرلماني، وكان منهم إدوارد بيرنشتاين (1850-1932) الذي أعلن أنه ليس على ألمانية أن تمر في تحولات ثورية عنيفة كي تحقق الأهداف الاشتراكية، وكان يأمل بتطوير الرأسمالية تدريجياً، وباستخدام البرلمان أداة ضغط لإجراء إصلاحات اشتراكية.

الماركسية في روسية قبل الثورة: كان ألكسندر ايفانوفيتش غيرتسن (1812-1870) يرى في الكومونات الفلاحية وليد المجتمع الاشتراكي في المستقبل ويعتقد أن الاشتراكية الروسية قد تتجاوز مرحلة الرأسمالية وتبني مجتمعاً تعاونياً قائماً على التقاليد الشعبية والفلاحية القديمة.

وخلافاً لغيرتسن كان غيورغي بليخانوف، الأب الروسي للماركسية الروسية، يرى أن الاشتراكية الروسية يجب أن تعتمد على شغيلة (بروليتارية) المصانع والمعامل، كما أن روسية لا تمثل حالة استثنائية، لأن الثورة الاشتراكية أوربية الصفة، ومكانة روسية فيها تتقرر بحركتها العمالية ذاتها.

هاجم بليخاتوف في عدد من مؤلفاته حركة الشعبيين الروس وبيّن أن ماركس أثبت الضرورة التاريخية والموضوعية للاشتراكية. كما أكد حتمية الثورة البرجوازية في روسية في إطار حركة التطور الصناعي، وقال إن الطبقة العاملة المنظمة ستدرك كيفية الاستفادة من الثورة البرجوازية، وكيفية دفع هذه الثورة إلى الأمام.

وبالمقابل أكد فلاديمير إيليتش لينين أهمية العمل العسكري للثورة. وأشار إلى ذلك في مؤلفه «ما العمل» الذي أتمه عام 1902، بقوله: إن الاشتراكية لن تتحقق إلا عندما ينجح ثوريون محترفون في تعبئة العمال والفلاحين وتقويتهم، وهي في حاجة إلى تنظيمات ثورية منضبطة لا تعرف المهادنة من أجل تعبئة الجماهير وتحريضها على العمل.

شارك أتباع لينين والماركسيون الروس الآخرون في المؤتمر الثاني لحزب العمال الديمقراطي الاشتراكي الروسي الذي انعقد في لندن عام 1903.

وفي هذا المؤتمر أعلن مارتوف وجهة نظرٍ خالف فيها لينين، فقال: «إن حزب العمال ليس تنظيماً للثوريين المحترفين وحسب، بل يتكون منهم، ومن التجمع العام للعناصر القيادية والنشيطة من البروليتارية».

وعلى الرغم من التعاون الأولي بين الاتجاهات المختلفة في الحركة الاشتراكية الديمقراطية الروسية، فقد ازدادت التناقضات الفكرية والسياسية عمقاً وانبثق عن ذلك اتجاهان أساسيان. ضم الاتجاه الأول منهما الأقلية التي عارضت لينين فسُموا «المناشفة» (الأقلية) وفيهم بليخانوف وتروتسكي، اللذان وقفا إلى جانبه في البداية، ومعهما أكثر المثقفين ولاسيما اليهود منهم. وأما الاتجاه الثاني فضم الأغلبية المؤيدة للينين التي عرفت باسم البلاشفة (الأغلبية) وأكثرهم من أبناء الطبقة العاملة.

اللينينية تطور للماركسية: تعرّف اللينينية بأنها الماركسية في عصر الامبريالية وثورة البروليتارية، عصر انهيار الكولونيالية (الاستعمار) وانتصار حركات التحرر الوطني، عصر انتقال البشرية من الرأسمالية إلى الاشتراكية وبناء المجتمع الشيوعي.

طور لينين العناصر الأساسية في الماركسية كالفلسفة والاقتصاد السياسي والاشتراكية العلمية، وهو الذي صاغ نظرية الامبريالية بوصفها أعلى مرحلة من مراحل تطور الرأسمالية وآخرها، وأكد أن الإمبريالية في جوهرها رأسمالية احتكارية بل هي احتكار الدولة الرأسمالية، مبيناً السمات الأساسية لمرحلة الإمبريالية والتناقضات التي تكتنفها، توطئة لتكوّن الشروط المادية والاجتماعية والسياسية لانتصار الثورة الاشتراكية. واستنتج لينين أن قوة البروليتارية تكمن في تأثيرها في مجرى التاريخ وأنها أكبر بكثير من حجمها بالقياس إلى إجمالي عدد السكان.

كذلك طور لينين النظرية الماركسية حول الثورة الاشتراكية وفقاً لخصائص المرحلة التاريخية الراهنة، إذ أوضح ايضاحاً وافياً دور البروليتارية القيادي في الثورة، والأهمية الخاصة لتحالف الطبقة العاملة والطبقة الفلاحية الكادحة، مبيناً طبيعة العلاقة التي يجب أن تقوم بين البروليتارية والشرائح الفلاحية المختلفة في المراحل المتعاقبة لهذه الثورة.

ومن جهة أخرى استطاع أن يستكمل نظرية تطور الثورة البرجوازية الديمقراطية إلى ثورة اشتراكية مؤكداً العلاقات المتلازمة بين النضال من أجل الديمقراطية والنضال من أجل الاشتراكية. وفي محاولته شرح مفعول قانون التطور غير المتوازن للرأسمالية في مرحلة الامبريالية، توصل إلى استنتاج كانت له أهمية نظرية وسياسية، وهو احتمال، بل حتمية، انتصار الثورة الاشتراكية في دولة واحدة، أو في عدد من الدول الرأسمالية، مع إمكان انتصار الثورة بالطرق السلمية في ظروف خاصة معينة.

شرح لينين خاصية المسألة القومية من منطلق نضال طبقة البروليتارية، مؤكداً مبدأ المساواة الكاملة بين الدول، وحق الشعوب المستعمرة والمقهورة في تقرير مصيرها، وحقها في الدفاع عن مبادئ الأممية في إطار الحركات العمالية وتنظيمات البروليتارية. إنه حق نضال الكادحين المشترك من كل القوميات وفي كل البلدان من أجل التحرر الوطني والاجتماعي، ومن أجل تكوين اتحاد طوعي للشعوب. وقد بين لينين جوهر القوى المحركة والفاعلة في حركات التحرر الوطني في وجه الإمبريالية عدوها المشترك. كما أوضح أنه في أحوال خاصة معينة يمكن للبلدان المتخلفة الانتقال إلى الاشتراكية متجاوزة المرحلة الرأسمالية.

طور لينين نظرية متكاملة لمرحلة التحول من الرأسمالية إلى الاشتراكية محدداً قوانينها ونواظمها، مستنتجاً من تجربة «كومونة باريس» والثورات الروسية ما استطاع به تطوير نظرية ماركس وأنغلز حول ديكتاتورية البروليتارية، مبيناً الأهمية التاريخية لإقامة دولة المجالس (السوفييتات)، وهي دولة ديمقراطية من نوع جديد، لا تقاس بأي جمهورية برجوازية برلمانية. ويرى لينين أن التحول من الرأسمالية إلى الاشتراكية يمكن، ويجب،أن يتم بأساليب سياسية متنوعة، على أن جوهر هذه الأساليب جميعاً إنما هو ديكتاتورية البروليتارية، مؤكداً أن عنصرها الرئيسي ليس القوة، بل العمل على شد الفئات غير البروليتارية ولاسيما الفئات الفلاحية الكادحة، حول الطبقة العاملة، والنضال لبناء الاشتراكية وأن الشرط الأساسي لتحقيق ديكتاتورية البروليتارية يتمثل في قيادة الحزب الشيوعي.

لقد وضعت أعمال لينين النظرية والسياسية أسس مرحلة لينينية جديدة من مراحل تطور الماركسية ونضال الطبقة العاملة العالمية. ولعل الإسهام الرئيسي لأعمال لينين في تطوير الماركسية يكمن في تمييزه ما هو عام عالمي في الثورة الروسية مما هو خاص بروسية، وذلك من أجل الاستفادة من تجربة الثورة الروسية  في حدود خصائصها العالمية وعدم الانسياق وراء تقليدها في خصائصها الروسية البحتة.

تطور الفكر الاشتراكي في أوربة الغربية

تمثل الاشتراكية الديمقراطية في أوربة الغربية مجموعة مبادئ سياسية تدافع عن تحول المجتمع سلمياً من الرأسمالية إلى الاشتراكية، وتعتمد بالأساس على اشتراكية القرن التاسع عشر وعلى أعمال ماركس وأنغلز، وتتفق مع الاشتراكية العلمية في أساسها الإيديولوجي العام.

وقد نمت الحركة الاشتراكية الديمقراطية بجهود أوغست بيبل August Bebel الذي كان يعتقد أن تحقيق الاشتراكية يجب أن يتم بالوسائل الشرعية بعيداً عن استخدام القوة. كذلك يعود الفضل في نمو الاشتراكية الديمقراطية الألمانية أيضاً إلى المفكر والمنظر الألماني ادوارد بيرنشتاين E.Bernstein الذي تحدى بعض مقولات النظريات الماركسية «الأرثوذكسية» مثل حتمية انهيار الرأسمالية، مشيراً إلى أن الرأسمالية ذاتها تتغلب على الكثير من نقاط ضعفها، كظاهرة البطالة وفائض الإنتاج ومشكلة التوزيع التعسفي للثروة. ويرى بيرنشتاين أن نجاح الاشتراكية لا يعتمد على ثورة الطبقة العاملة رداً على البؤس والقهر الذي تعانيه من تسلط الرأسمالية، ولكنه يعتمد على إزالة البؤس ذاته. كما أن الطبقة العاملة تستطيع تحقيق الاشتراكية بانتخاب ممثلين عنها يؤمنون بالاشتراكية.

انتشرت أفكار الاشتراكية الديمقراطية عقب الحرب العالمية الثانية في معظم أنحاء أوربة الغربية. وكانت تدعو إلى التخلي عن الصراع الطبقي والمبادئ الماركسية الأخرى، وإلى ضرورة مشاركة كل فئات الشعب في قيادة السلطة السياسية والاقتصادية، وتكوين مجتمع يعمل فيه جميع الناس متساوين. ومع أن الحركات الديمقراطية الاشتراكية الغربية أيدت مبدأ رقابة الدولة على الاقتصاد، فإنها رفضت أسلوب التخطيط المركزي الشامل وتبنت مدخل السوق التنافسية الحرة. بحيث يتوافر أكبر قدر ممكن من المنافسة والقدر الضروري من التخطيط.

وكان لانتشار أفكار الاشتراكية الديمقراطية في أوربة الغربية أثر بالغ في تبني الكثير من الدول الأوربية الغربية إجراءات اقتصادية واجتماعية متعددة مثل تأميم بعض أجزاء الصناعة الثقيلة والمناجم والمؤسسات المالية، واعتماد إجراءات واسعة أخرى في نطاق الرقابة الحكومية على الاقتصاد، وتحقيق إصلاحات بنيوية في حقل الضمان الاجتماعي. وفي العقود الأخيرة تحولت حركات الاشتراكية الديمقراطية الغربية إلى حركات إصلاح تنادي ببناء مجتمع الرفاه أو اقتصاد الرفاه[ر].

الاشتراكية في أمريكة

لم يكن للاشتراكية في الولايات المتحدة الأمريكية تأثير أو صوت مسموع كما كان عليه الحال في أوربة. ففي عام 1901 تأسس الحزب الاشتراكي الأمريكي، ولم يتجاوز عدد أعضائه العشرة آلاف، ثم ازدادوا إلى 150ألفاً عام 1912. وقد استندت الأفكار الاشتراكية لهذا الحزب إلى تلك التي حملها إليه بعض المهاجرين الحديثين القادمين من أوربة، إضافة إلى بعض مبادئ الاشتراكية المثالية التي ظهرت في القرن التاسع عشر، وإلى قيم إلغاء العبودية في الولايات المتحدة، وأفكار بعض النقابيين والمصلحين الزراعيين، وبعض الفرق الاشتراكية المنعزلة كالحزب الاشتراكي العمالي، (وهو حزب سابق للحزب الاشتراكي الأمريكي، تألف عام 1877، ولم يصبح له تطلعات مميزة إلا ابتداء من عام 1890 عندما حاول بعض قادته إدخال أفكار ماركسية إلى الحركة العمالية التي كانت تتأثر كثيراً بالنقابية الفرنسية، إلا أنه بقي حزباً مغموراً). وقد استطاع الحزب الاشتراكي الأمريكي أن يبني قاعدة جماهيرية واسعة بجهود أحد قادته إيوجين دبس E.Debs على الرغم من ضعف الانسجام الفكري والسياسي بين أعضائه. فقد كان يضم في صفوفه عناصر من الإصلاحيين reformists والراديكاليين والماركسيين الثوريين والشعبيين populists. ولم يقدم هذا الحزب أي أفكار جديدة، بل تركز نشاطه على محاولة جعل صوته حول الاشتراكية مسموعاً في الولايات المتحدة. وقد انهار بعد الحرب العالمية الأولى.

الاشتراكية في إفريقية

ظهرت في القارة الإفريقية حديثاً صيغ متنوعة من الأفكار الاشتراكية ففي السنغال كان الرئيس ليوبولد سنغور يدافع عن الاشتراكية الإنسانية التي تستند جزئياً إلى الماركسية وفي غينية حاول الرئيس سيكوتوري مزج أفكار الماركسية اللينينية بالقيم الشعبية لإفريقية ما قبل الاستعمار، داعياً إلى أفرقة الماركسية. أما الرئيس نكروما في غانة فقد أعلن مبدأ التعقل أساساً لنظامه مؤكداً أن إجراءات التوتاليتارية (الكليانية) وحدها قادرة على ضمان الحرية. وقد سقط نظامه في عام 1966.

وفي كينية وتنزانية وعدد آخر من الدول الإفريقية كانت النخبة الحاكمة والمثقفة تترجح بين نوع أو آخر من الاشتراكية الإفريقية، في حين انصب التزامها الأساسي على عملية التحديث والتصنيع السريع.

وقد أكد كثير من الكتاب الاشتراكيين الأفارقة الحاجة إلى بناء اشتراكية تستند إلى القيم والعادات الإفريقية القديمة، وإلى مبادئ المساواة الاجتماعية والسياسية، وغير ذلك من المفاهيم والالتزامات التي كانت تسود المجتمعات القبلية الإفريقية.

ويكاد معظم المفكرين الأفارقة يجمعون على أن أكثر الأمور إلحاحاً لإفريقية، كان وما يزال، ضرورة النضال من أجل الانتقال من مجتمع الكفاف إلى اقتصاد السوق، وتوفير الخدمات الصحية والتعليمية والسكنية، وضبط الإدارة الحكومية.

الاشتراكية في آسيا

كانت عدة حكومات آسيوية تعد نفسها حكومات اشتراكية مثل الهند وبورمة وسيلان (سابقاً) وإندونيسية وسنغافورة. إلا أن الأحزاب الاشتراكية في هذه البلدان بدأت تفقد قوتها وتأثيرها. ففي الهند حيث تتنافس عدة تنظيمات اشتراكية، كان حزب المؤتمر حزباً وطنياً يحاول أن يوحد في صفوفه عدة اتجاهات سياسية واجتماعية. وفي بورمة كان الحزب الاشتراكي البورمي عضواً في تحالف يحكم البلاد، إلا أنه غدا حزباً ملاحقاً. وفيما عدا سنغافورة فإن بقية الأحزاب الاشتراكية في جنوب شرقي آسيا لم تستطع أن تقوم بدور ذي شأن بعد الحرب العالمية الثانية.

أما في فييتنام فكان الحزب الشيوعي وما يزال الحزب الحاكم، ولاسيما بعد توحيد شطري البلاد، كما أن غالبية الحركات الثورية في منطقة الهند الصينية تستوحي مبادئها من الإيديولوجية الماركسية، وتتحدى القوى التقليدية التي تدعمها الولايات المتحدة الأمريكية وتشتبك في صراع معها إلى جانب جمهورية الصين الشعبية الدولة الاشتراكية العظمى في آسيا منذ عام 1949.

والواقع أن الأحزاب الاشتراكية في دول جنوب شرقي آسيا لم تستطع القيام بدور فعال من أجل الاستقلال، بل عجزت عن أن تكون لنفسها جذوراً عميقة في بلدانها. وحاول قادة هذه الأحزاب من المثقفين المتأثرين بالثقافة الأوربية إدخال نماذج الاشتراكية الديمقراطية الأوربية، إلا أنهم لم يستطيعوا تحقيق نجاحات ملحوظة، واتجهت حكومات هذه الدول إلى إقامة أنظمة أوتوقراطية تعنى عناية خاصة بالتنمية الصناعية، ولم تُثبت محاولات دمج الديمقراطية البرلمانية بالتخطيط الاشتراكي وجودها إلا في الهند وسنغافورة.

وفي اليابان، أكثر الدول الآسيوية تطوراً، كانت التنظيمات الاشتراكية تملك قاعدة جماهيرية واسعة. ففي عام 1901 تألف أول حزب اشتراكي ياباني لم يلبث أن حُلَّ وتحول إلى تنظيم سري. وفي أثناء الحرب العالمية الأولى وعقبها عادت التنظيمات الاشتراكية إلى الظهور. وفي عام 1946 حصل الحزب الاشتراكي الياباني على 90 مقعداً في البرلمان، وفي عام 1947، تمكن هذا الحزب من الحصول على أكبر عدد من مقاعد البرلمان، وغدا زعيمه كاتا ياما تيتسو رئيساً لحكومة إئتلافية. وفي عام 1948 انقسم الحزب الاشتراكي إلى جناحين بعد تسلم المحافظين السلطة. وكان جناحه اليساري شديد العداء للولايات المتحدة وأكثر ميلاً إلى الاتحاد السوفييتي السابق، وقد انفرد هذا الجناح باسم «الحزب الاشتراكي الياباني» أما الجناح اليميني فكان يؤيد تحقيق تنمية متدرجة، ويفضل إقامة علاقات عسكرية وسياسية بالولايات المتحدة، واستقل بذاته تحت اسم «الحزب الديمقراطي الاشتراكي» وتشير الظواهر إلى حدوث تحولات في الاشتراكية اليابانية على غرار ما حدث للاشتراكية الأوربية عقب الحرب العالمية الثانية.

الحوار حول الاشتراكية في الفكر العربي الحديث

لعل من أبرز التطورات في الاقتصاد العربي نمو الأفكار ذات النزعة الاشتراكية وامتزاجها بقضايا التنمية وطموحات الوحدة على الصعيد العربي.

وقد عانى الفكر الاقتصادي والسياسي العربي طويلاً، ولاسيما في الأربعينات والخمسينات من القرن العشرين نوعاً من الفصام الكبير بين الاتجاه القومي الاشتراكي والاتجاه الاشتراكي اللاقومي.

وفي حقبة الستينات أخذ أنصار الفكر القومي يضمنون برامجهم الكثير من الأفكار الاشتراكية. فقد ورد في المنطلقات النظرية لحزب البعث العربي الاشتراكي [ر] التي أقرها المؤتمر القومي السادس للحزب «إن بناء الاشتراكية يجعل الوحدة الإطار البشري والاقتصادي الأكثر انسجاماً مع متطلبات شمول التجربة وجذريتها. فالبلدان الصغيرة لا تستطيع أن تصعد في طريق الاشتراكية منعزلة لأن التطور الاقتصادي (والتصنيع بوجه خاص باعتباره القاعدة المادية للاشتراكية) سيبقى دوماً مهدداً بالجمود والاختناق. لذا فإن الوحدة العربية والاشتراكية قضيتان متلازمتان على الصعيد التاريخي والاقتصادي».

وفي الاتجاه المقابل بدأ أنصار الفكر الماركسي يراجعون بعض مقولاتهم وأفكارهم حول العلاقة الجدلية بين قضايا البناء الاشتراكي وقضايا الوحدة، وضرورة النظر إلى الوحدة العربية على أنها وعاء تاريخي لازم لدفع عمليات التنمية ونجاح مهمات التحويل الاشتراكي.

إن القضية المركزية التي ظلت تشغل أذهان الاقتصاديين العرب طوال مُدة الستينات هي محاولة الإجابة عن السؤال التالي: هل الاشتراكية في الوطن العربي تطبيق للاشتراكية العلمية أو طريق عربي لها، أو أنها اشتراكية عربية ذات ملامح خاصة خالصة؟.

يعبر أحد المفكرين العرب عن موقع هذه الإشكالية في خريطة الفكر الاقتصادي العربي على النحو التالي: «إن محتوى الثورة العربية في الحقل الاجتماعي والسياسي يمثل جانباً حيوياً منها. وهذا المحتوى يتمثل في الاشتراكية العربية، لأنها تمثل مفهوم العدالة الاجتماعية بمعناها الواسع في المجتمع العربي الجديد. وطبيعي أن يتجه الفكر العربي إلى بحث الاشتراكية العربية وإلى تحديد إطارها الفكري ورسم خطوطها النظرية. وطبيعي في مرحلة مثل هذه أن يكون المجال رحباً للاجتهاد والنقل وأن تمر بأزمة فكرية قوية».

وهكذا فإن فكرة الاشتراكية العربية تعني لعدد كبير من الاشتراكيين العرب، من ذوي الاتجاه القومي، ضرورة الانطلاق من تحليل الواقع العربي مع استلهام الخبرات والتجارب الإنسانية المختلفة لرسم معالم الطريق الذي يمكن أن يسير فيه الشعب العربي نحو الاشتراكية. فالمبدأ الأساسي لهذه الفكرة يعني قبل كل شيء ضرورة وضع النضال في سبيل الاشتراكية في إطاره القومي، وربط المطالب الاشتراكية بالمطالب القومية في الوحدة والحرية. إلا أن شعار الاشتراكية العربية هذا ما لبث أن أعطاه بعضهم محتوى فكرياً وتطبيقياً خاصاً، فأخذوا يتحدثون عن نظرية اشتراكية عربية وفلسفة عربية خاصة بها، وقالوا بخصائص عربية ومزايا لا بد أن تمتاز بها الاشتراكية العربية. وهكذا نلاحظ في الكتابات المتداولة حول خصوصية الاشتراكية العربية، إصراراً على أنها، أي الاشتراكية العربية، دعوة أخلاقية أو نظرة إلى العدالة نابعة من التراث الفكري والروحي والقيم الخاصة بالمجتمع العربي.

ويؤكد رفعت المحجوب في إشارة إلى التجربة التي شهدتها مصر: «أن الاشتراكية العربية قامت لمعالجة مشكلات المجتمع العربي في مصر وفي حدود قيمه. واتفاقاً مع ذلك ذهب الميثاق إلى أن الاشتراكية العربية ليست التزاماً بنظريات جامدة لم تخرج من صميم الممارسة والتجربة الوطنية، وعلى ذلك يمكن أن نخلص إلى أن للاشتراكية العربية قيمها وفلسفتها الذاتية».

ومنذ العام 1963 بدأت تظهر أولى الكتابات النقدية للمفاهيم والمقولات الاشتراكية المتداولة، وكانت، في غالب الأحيان، ترديداً للمفاهيم السائدة في الوثائق الإيديولوجية الرسمية في مصر وسورية والعراق والجزائر. فقد تضمنت المنطلقات النظرية لحزب البعث العربي الاشتراكي التي أقرها المؤتمر القومي السادس للحزب حول «ملامح الطريق العربي إلى الاشتراكية» بعض عناصر النقد لمفهوم الاشتراكية العربية الذي غلب على كتابات حزب البعث منذ نشأته، فقد جاء في تلك المنطلقات: «وبدلاً من أن يكون المنطلق القومي للاشتراكية في الحزب سبباً لإعطاء وجهة نظر واضحة مدروسة تتلمّس خصائص الواقع العربي بكل تفاصيله وتناقضاته، والخروج بدراسات نظرية توضح الطريق العربي إلى الاشتراكية، عن طريق تحليل التكوين الاقتصادي والطبقي للمجتمعات العربية، وبدلاً من أن يكون هذا المنطلق سبباً لانفتاح علمي واع على الواقع العربي، تحوّل في عدد من كتابات الحزب إلى مجرد شعارات عامة ومسميات عاطفية حول الخصائص العربية للاشتراكية ومزاياها الأصيلة». وعلى العكس من ذلك، فقد حدث تطور مهم لدى أنصار التيار الماركسي، عندما شرعوا في التخلّي عن التزمت الفكري الذي طبع كتابات هذا التيار حول مفاهيم الاشتراكية. وقد كتب فؤاد مرسي في مقال له عن «التطبيق العربي للاشتراكية من الواقع المصري»: «إن الاشتراكية بوصفها نظاماً اجتماعياً يقضي على استغلال الإنسان لأخيه الإنسان يظل جوهرها واحداً على الدوام. لكن الاشتراكية ليست وصفة جاهزة لجميع الشعوب. كما أنها ليست تقنيناً لعقائد لا تقبل التغيير عندما تتغير ظروف الإنسان، وإنما الاشتراكية في بلد معيّن ثمرة لنضال شعبه المعيّن. ولذلك لا يمكن أن يكون طريق هذا الشعب سوى طريقه الخاص، أعني طريقه القومي».

والحقيقة أن اعتراف الاقتصاديين العرب بتعدد طرائق الانتقال إلى الاشتراكية قد أفسح في المجال أمام مصالحة تاريخية بين التيارين القومي والماركسي في الفكر الاقتصادي العربي الحديث.

النظرة المستقبلية للاشتراكية

اتسمت مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية حتى اليوم بانتشار أفكار الاشتراكية الديمقراطية في معظم البلدان الأوربية وفي كثير من البلدان الآسيوية والأمريكية اللاتينية وفي كندا وأسترالية. واستطاعت بعض الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية في عدد من الدول تأليف حكومات ائتلافية تسلمت السلطة في أزمنة متفاوتة.

كذلك يشهد هذا العصر تبدلات عميقة في مجموعة البلدان الاشتراكية وتخلي معظم البلدان الاشتراكية الأوربية عن الاشتراكية العلمية وتبنيها مذهب الإصلاح الاقتصادي وأفكار «الاشتراكية الديمقراطية» والانتقال إلى اقتصاد السوق.

ففي الاتحاد السوفييتي السابق أدت الممارسة البيروقراطية زمناً طويلاً إلى تباطؤ معدلات النمو وبروز عدد كبير من حالات عدم التوازن الاقتصادي، وتضاؤل مستويات التطور التقني في بعض فروع الصناعة والإنتاج.

وقد تضمن برنامج إعادة البناء (البريسترويكا) الذي طرحه غورباتشوف في الاتحاد السوفييتي عام 1985 دعوة إلى التعددية الحزبية والانتقال المبرمج إلى اقتصاد السوق، وتعايش أشكال متنوعة من ملكية وسائل الإنتاج، وإنهاء الحرب الباردة، وكان لهذه الأمور أثر بالغ في تسريع وتائر التحولات الاقتصادية والسياسية الأخيرة التي جرت في البلدان الاشتراكية الأوربية، وفي زيادة نشاط الاتجاهات التي تنادي بالإصلاح في أماكن عدة من العالم.

ومع التأييد الواسع الذي لقيته أفكار العلنية (الانفتاح) وإعادة البناء في المستويين الداخلي والعالمي، فقد عانى الاتحاد السوفييتي صراعاً حاداً بين الاتجاهات السياسية والتنموية في البلاد، بدءاً من الاتجاه الذي يحاول التمسك بأسلوب الإدارة التقليدية السابقة للبلاد، والمحافظة على أصول الماركسية اللينينية ويطلق عليه بعضهم «الاتجاه الماركسي الأصولي» ثم الاتجاه الذي يمثله غورباتشوف، والذي يركز على الانتقال التدريجي إلى اقتصاد السوق مع إقامة نظام ملائم للمراجعة والإشراف، واستمرار التعايش بين أشكال متنوعة من ملكية وسائل الإنتاج، وأخيراً الاتجاه الليبرالي الذي يدعو إلى الانتقال إلى الاقتصاد الرأسمالي بالسرعة الممكنة على غرار البلدان الرأسمالية الغربية.

وبغض النظر عن الأسلوب الذي تم في إطاره حسم الصراع الجاري في الاتحاد السوفييتي السابق وتبني روسية الاتحادية الاتجاه الليبرالي، فإن أفكار العلنية وإعادة البناء تركت بصماتها على الوضع الذي آل إليه هذا الصراع مستبعدة نهائياً العودة إلى الصورة السابقة لإدارة المجتمع والاقتصاد الوطني. وقد انتقلت عدوى الإصلاح الذي ابتدأ في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية السابق إلى البلدان الاشتراكية الأوربية الأخرى، وأثر بصورة أو بأخرى على الأنظمة الاشتراكية في بلدان آسيا وإفريقية وأمريكة اللاتينية، ولعل أبرز آثاره تقليص نفوذ الأساليب الأوتوقراطية في إدارة الاقتصاد الوطني وتخطيطه، والفسح في المجال لمزيد من الديمقراطية في الاقتصاد والسياسة.

ولعل الحدث الأكثر أهمية هو في تخلي جميع البلدان الاشتراكية الأوربية رسمياً عن المذهب الماركسي والاشتراكية العلمية وانتقالها إلى التعددية الاقتصادية والسياسية. ويلفت النظر هنا ظاهرة استمرار الأنظمة الاشتراكية التوتاليتارية في البلدان الأقل تطوراً في الوقت الذي انتهت فيه هذه الأنظمة في الدول الأكثر نمواً والأكثر تقدماً مما يطرح أمام المفكرين مستقبلاً مهمة تفسير نشأة الأنظمة الاشتراكية وطريق تطورها.

عصام خوري

Posté par karima2011 à 02:49 - Commentaires [0] - Permalien [#]


تطور الرأسمالية منذ القرن الثامن عشر

غازي الصوراني

الأول من أيار 2009

 

تطور الرأسمالية منذ القرن الثامن عشر إلى بداية القرن الحادي والعشرين

إن رأس المال ينـزف دماً من كل مساماتـه..كارل ماركس

 

لقد بدأ تفسخ النظام الإقطاعي في أوروبا منذ القرن السادس عشر مع تطور الإنتاج السلعي ونمو السوق الداخلي والخارجي .. الخ ، وكان من أوائل أيدلوجيي البرجوازية ميكافيلي (1469 – 1527 ) الذي ذهب إلى أن المجتمع لا يتطور تبعاً لإرادة خارجية وميتافيزيقية ، وإنما وفقاً لأسباب طبيعية ، تضرب جذورها في التاريخ وفي النفسية البشرية والوقائع الملموسة .

وفي مرحلة تشكل العلاقات الرأسمالية تأثر الفكر الاجتماعي بحركة الإصلاح المناوئة للكنيسة الإقطاعية الكاثوليكية ، التي قادها مارثن لوثر ( 1483 – 1546 ) وتوماس مونزو (1453 – 1525 ) اللذان أكدا على فكرة الاتصال المباشر بالله دون واسطة الكنيسة .. أيضاً ظهرت في هذه المرحلة بعض الأفكار الاشتراكية الطوباوية ، ومن مفكريها توماس مور (1478 – 1535 ) الذي أكد في كتابه ( الأوتوبيا – أو الكتاب الذهبي ) إلى أن أصل ويلات الشعب هو الملكية الخاصة التي لابد من القضاء عليها في رأيه ، وجاء بعده المفكر الإيطالي ( تومازوكمبانيلا 1568-1639 ) ليؤكد ويطور نفس الأفكار الطوباوية في كتابه " مدينة الشمس " ولكن هذه الأفكار لم يقدر لها أن تنتشر بسبب الظروف الموضوعية السائدة في القرن السادس عشر .

ومع تطور الرأسمالية شرعت البرجوازية في التصدي لسلطة الإقطاعيين ، وطالبت بإلغاء الامتيازات والتقسيمات المراتبية ، وبرز في هذا السياق عدد من المفكرين من أبرزهم سبينوزا الذي طالب بتأسيس الدولة كتنظيم يخدم مصالح كل الناس ، وجون لوك ، الذي قال بأن الحالة الطبيعية للبشر تتأكد عند سيطرة الحرية والمساواة كمفاهيم أساسية تحكم المجتمع .
وفي القرن 18 تطور الفكر الاجتماعي في أوروبا تحت راية التنوير في فرنسا ، وكان فولتير (1694 – 1778 ) من أبرز مفكري التنوير ، أكد على الحق الطبيعي في نقده للنظام الإقطاعي ، وعنده أن القوانين الطبيعية هي قوانين العقل ، فالإنسان يولد حراً ولا يجب أن يخضع إلا لقوانين الطبيعة .      

ومن بين المفكرين أصحاب النزعة الديمقراطية الثورية كان جان جاك روسو (1712-1778) صاحب المؤلفين ( في أسباب التفاوت ) و ( العقد الاجتماعي ) ، إنه يرى أن أصل الشرور والتفاوت بين البشر يعود إلى الملكية الخاصة كسبب أولي وحيد فهو القائل " إن العداء والكراهية والأنانية بين البشر، بدأت حينما وضع أول إنسان سياجاً حول قطعة من الأرض معلناً أنها ملكيته الخاصة " .

أما الفيلسوف المادي الفرنسي هولباخ (1723- 1789 ) فنادى بتأسيس دولة أو عقد اجتماعي قائم على الحرية والملكية والأمن ، واعتبر أن العالم الروحي للإنسان هو نتاج للوسط الاجتماعي ، وجاء رائد الفلسفة الكلاسيكية الألمانية ( كانط 1724- 1804) الذي اعتبر التاريخ تطوراً للحرية البشرية وبلوغاً لحالة قائمة على العقل ، واعترف بمساواة المواطنين أمام القانون ، لكنه قسم الناس إلى نوعين: المالكين لوسائل الانتاج وهم الذين اعترف لهم بحق المواطنة والحرية، أما الذين لا يملكون فقد سماهم " حاملي جنسية " وهؤلاء ليسوا أحراراً أو مواطنين ، إنهم جموع الكادحين والجماهير المستغلة.

وبعد "كانط" جاء فيلسوف الجدل  هيجل (1770 –1831) الذي أسهم بقسط كبير في معالجة المشكلات الفلسفية لتاريخ المجتمع ، وهو يذهب إلى أنه في صلب الكون تقوم " الفكرة المطلقة " الدائمة التطور ، والتي تولد أو تخلق العالم كله – الطبيعة والإنسان ، والمجتمع ، لقد صَوَّر هيجل التاريخ العالمي على شكل مسيرة للروح ( الفكرة ) على الأرض وهذا الروح الكوني ، يسكن الشعب السائد في التاريخ العالمي بالعصر المعني ، ولم يكن غريباً – بعد حوالي مائة عام – أن يستلهم هتلر والنازية جوهر أفكار هيجل (إلى جانب أفكار شوبنهور ونيتشه وتريتشكه) وتطبيقها على الشعب الألماني باعتباره سوبرمان العالم أو " الشعب السائد " .

ولكن، رغم أهمية الفلسفة السابقة ودورها ، إلا أنها لم تتمكن من وضع الحلول الاجتماعية الملائمة للأغلبية الساحقة من البشر ، ومع تطور وتفاقم أوضاع الطبقة العاملة في النصف الأول من القرن 19 ، وباستخدام التحليل الفلسفي لأحدث منجزات العلم ، ومن خلال معالجة وتطوير الانجازات الإيجابية لمفكري الماضي ، أمكن لماركس وانجلز وضع المادية التاريخية و القوانين العامة للتطور التاريخي وأشكال تحققها في نشاط الناس في ضوء معطيات النظام الرأسمالي وعلاقاته الاقتصادية والاجتماعية القائمة على الاستغلال.

ارتبط نشوء العلاقات الرأسمالية مع بداية تكون الملامح الأولى للطبقة البرجوازية ، كطبقة مالكه لوسائل وأدوات الإنتاج ، وقد كان مستوى التطور النسبي للإنتاج البضاعي ( السلعي ) في أواخر التشكيلة الإقطاعية ، السبب الرئيسي ( عبر الإنتاج والتجارة والمرابين والتراكم النقدي ) في نشوء الطبقة البورجوازية ومن ثم العلاقات الرأسمالية .

ومع تطور الرأسمالية ، تتطور قوى الإنتاج باستمرار ، وما ينتج عن ذلك من تعارض حاد أحياناً بينها وبين علاقات الإنتاج القديمة ، وهذا لا يعني أن الرأسمالية تستطيع دائماً أن تحل أزماتها الداخلية بما يضمن استمرار صعودها ، فبالرغم من كل ما نلاحظه اليوم من تطور هائل وانتشار " واسع " ، إلا أن ذلك لا يلغي إطلاقاً طبيعة الأزمة والتناقضات الداخلية للنظام الرأسمالي منذ وصوله إلى مرحلة الامبريالية [1] ، في نهاية القرن التاسع عشر ، وامتداده إلى عصرنا الراهن حيث أصبحت العولمة الرأسمالية هي السمة الأساسية للإمبريالية في طورها الجديد ، إن العولمة " صيغة تهدف إلى إعادة صياغة النظم السياسية والاقتصادية السائدة في العالم ، بهدف إخضاع العالم لإرادة كونية واحدة ، إنها انفتاح عالمي بلا حدود ، وهيمنة بلا حدود ، تقوم على حرية حركة رؤوس الأموال والمنتجات والتسليم بسيادة السوق ، وفي العولمة، باتت دول العالم الثالث والوطن العربي تحديداً –بحكم عوامل/ مصالح طبقية خارجية وداخلية-، مجرد مشروعات يتم بواسطتها تدمير السوق الوطني أو القومي ومن ثم تكريس تبعيتها وتخلفها وارتهانها.

 ولكن كما أن للعولمة مخططاتها ومقوماتها، فإن لبديل العولمة أو نقيضها مقوماته ، المسألة إذن مرتبطة باللحظة التاريخية الراهنة ، وتطور تراكمات النقيض في ضوء الأزمة المالية العالمية إلى جانب تفاقم استغلال وإفقار دول العالم الثالث وما ستحمله هذه التراكمات من متغيرات نوعية لن تقتصر على الصراع الاقتصادي فحسب ، بل ستمتد للصراع السياسي والأيديولوجي "  بشكل متجدد ومستمر سيدفع بالضرورة إلى كسر أحادية العولمة الأمريكية باتجاه التعددية القطبية الرأسمالية، وباتجاه بروز أشكال وأطر ثورية ماركسية نقيضه للنظام الرأسمالي كله، ذلك إن التناقض الموضوعي الحاد والتناحري ، سيستمر ، إذا لم يتم حسمه بوضوح لصالح الأغلبية الساحقة من البشر (80% من سكان كوكبنا ) المتضررة من هذه الظاهرة الامبريالية العالمية الجديدة ، وهذا يستدعي بالضرورة رؤية وإطاراً جديدين ، على الصعيد الوطني أولاً والقومي ثانياً والأممي ثالثاً دون أي انفصام بين هذه العناصر، لمواجهة هذه الهيمنة المتوحشة، وتجاوز رموزها وأدواتها الطبقية في بلدان الوطن العربي كما في بلدان العالم الثالث ، خاصة وأن المنظور في المستقبل – كما يقول اريك هوبسباوم· - يبدو واعدا أكثر مما كان في تسعينيات القرن العشرين ، فالازمة المالية الراهنة في العالم والتي قد تصبح هبوطا اقتصاديا رئيسيا في الولايات المتحدة الامريكية ، تضفي دراماتيكية على فشل "ديانة" السوق الحر العولمي الذي لا يخضع لاية رقابة واشراف ، ويرغم حتى الحكومة الامريكية على التفكير في اتخاذ اجراءات عامة تم نسيانها منذ ثلاثينيات القرن العشرين .

المراحل التاريخية ( الأساسية) لتطور الرأسمالية :

تمهيد

منذ اجتياز النظام الرأسمالي العالمي – في العقد التاسع من القرن العشرين- لمرحلة تمركز الانتاج والاستقطاب والصراع من أجل التوسع في اطار الثنائية القطبية، وانتقاله الى مرحلة سيادة العولمه وتعمقها، لتصبح السمة المركزية للمنظومة الرأسمالية العالمية التي قادتها، وحددت مسارها  الولايات المتحدة الامريكية، عبر هيمنتها الاحاديه على نظام العولمة الرأسمالي طوال العقود الثلاث الماضية حيث برز النظام الانتاجي المعولم ساعياً الى مزيد من الهيمنة لكي يفرض نفسه بديلاً للنظم الانتاجية، الوطنية، القومية في دول العالم الثالث التي بدأت - ولأسباب داخلية وخارجية- تفقد القدرة على توفير احتياجات شعوبها، اضافة الى عجزها في مواجهة متطلبات او شروط الاقتصاد الراسمالي المعولم، وقد  ترافق مع هذا التحول الاقتصادي، تغيرات نوعية، سياسية واجتماعية وايديولوجية في بلدان الأطراف أو العالم الثالث بوجه خاص، عززت انقسامها -كما يقول د. سمير أمين- إلى بلدان توفرت لديها إمكانات التصنيع  في حدود معينه، بما يسمح بإدخالها إلى السوق العالمي وفق شروطه الجديدة مع بقاءها ضمن دائرة العالم الثالث مثل بعض دول أمريكا اللاتينية وآسيا، وبلدان عجزت عن توفير هذه الإمكانيات ، خرجت من إطار العالم الثالث وأصبحت تندرج فيما يسمى ببلدان العالم الرابع (أو أكثر)، تتوزع على قارتي أفريقيا وآسيا عموماً، ومعظم بلدان الوطن العربي خصوصاً.

كما شهدت العقود الثلاث الماضية، انتشاراً  واسعاً لأفكار الليبرالية الجديدة، ومع تفاقم الأزمة المالية العالمية في نهاية عام 2008 كشفت هذه الأزمة ، أن هناك وجه آخر للحقائق أو الوقائع الأمريكية التي تنمو وتتراكم بصورة سلبية، جعلت وجه الولايات المتحدة الأمريكية خصوصاً وبلدان المركز الرأسمالي عموماً في نظر شعوب العالم في بلدان الأطراف خصوصاً، أكثر بشاعة من وجه النازية في أحط درجاتها وممارستها، وذلك عبر سياسة "عولمة السلاح" وإرادة القوة الباغية التي تمارسها الولايات المتحدة وحلفائها ضد شعوب العالم في أمريكا اللاتينية وأفريقيا واسيا، وفي بلداننا العربية، عبر وكيلها الامبريالي الصغير دولة العدو الصهيوني التي تقوم في هذه المرحلة بممارسة أبشع أدوارها الوظيفية في خدمة المصالح والسياسات الامبريالية الأمريكية في بلادنا.

فإذا كانت السياسة هي تكثيف للاقتصاد ، فإن الاضطراب العام الذي يعرفه النظام الرأسمالي هو تأكيد على صحة مقولة ماركس حول فوضى الإنتاج باعتبارها قانونا ملازما للرأسمالية من ناحية وهو أيضا تعبير عما يجري في أسواق المال العالمية من ناحية ثانية ، إذ أن هذا الاضطراب (الأزمة) سيوفر بالضرورة مناخاً جديداً لمتغيرات اقتصادية واجتماعية وسياسية هامة على الصعيد العالمي ،كما هو حال التطور التاريخي للبشرية ، فالمتغيرات التي رافقت النمط الإقطاعي في أوروبا في القرنين السادس عشر والسابع عشر حتى نهاية القرن الثامن عشر أدت إلى نمو البورجوازية ومن ثم ولادة النمط الرأسمالي بالانسجام مع أفكار وأسس ليبرالية السوق كما صاغها  " آدم سميث " (1723-1790) وفق شعار "دعه يعمل دعه يمر" أو سياسة حرية السوق دون أية قيود[2]، وقد استمر تطبيق هذه السياسة حتى عام 1929 عندما انفجرت الأزمة الاقتصادية العالمية ، وأدت إلى متغيرات جديدة دفعت إلى الاستعانة بآراء "جون ماينارد كينز" (1883-1946) التي دعت إلى ضرورة تدخل الدولة في إدارة الاقتصاد وتحمل مسئولية التخلص من حالات الركود الاقتصادي، خلافاً للنظرية الليبرالية/الكلاسيكية التي تقوم على مبدأ حرية السوق وعدم التدخل،وإلغاء كافة الرسوم ومفهوم اليد الخفية.

من هنا فإن الدعوة إلى مقاومة عولمة الاستسلام ، تمثل أحد أبرز عناوين الصراع العربي الراهن من أجل التحرر والديمقراطية والعدالة الاجتماعية بآفاقها الاشتراكية - ، مدركين أن أحد أهم شروط هذا التحدي العربي لهذه الظاهرة، هو امتلاك تقنيات العصر ومعلوماته وفق مفاهيم العقل والعلم والحداثة ، في إطار قومي سياسي تقدمي وديمقراطي من قلب الجماهير الشعبية الفقيرة والمثقفين الثوريين، يناضل من أجل تجاوز واقع التبعية والتخلف والخضوع صوب التحرر والعدالة الاجتماعية والوحدة، مستنداً ومسترشداً بالاشتراكية والفكر الماركسي كضرورة تاريخية للخلاص والتحرر الوطني والقومي و الاجتماعي ، إنها مهمة لا تقبل التأجيل ، يتحمل تبعاتها بشكل مباشر المثقف التقدمي الملتزم في كل أقطار الوطن العربي ، إذ أنه في ظل استفحال التخلف وعدم تبلور الحامل الاجتماعي الطبقي النقيض للعولمة وتأثيرها المدمر ، لا خيار أمام المثقف العربي سوى أن يتحمل مسئوليته في المراحل الأولى منفرداً ، وهذا يستلزم كخطوة أولى من كافة الأحزاب والقوى والأطر اليسارية المسترشدة بالماركسية المتجددة، أن تتخطى شروط أزمتها الذاتية ، وأن تخرج من حالة الفوضى والتشتت الفكري والسياسي والتنظيمي الذي يكاد يصل إلى درجة الغربة عن الواقع عبر التوجهات الليبرالية الهابطة أو العدمية التائهة .

لقد آن الأوان لاستخدام النظرية والمنهج العلمي استخداماً جدلياً مع الواقع العربي بكل تفاصيله وخصوصياته ، وذلك على قاعدة الالتزام الأيدلوجي من جهة والالتزام بالديمقراطية كوسيلة لا بد من نشرها وتعميقها ومأسستها على الصعيد المجتمعي ، وتطويرها من شكلها السياسي أو التعددي الفوقي إلى جوهرها الشعبي الاجتماعي الاقتصادي الذي يمثل نقيضاً لأوهام الليبرالية الغربية وشروطها المعولمة من جهة أخرى .

إن الدعوة للالتزام بهذه الرؤية وآلياتها ، تستهدف في أحد أهم جوانبها ، وقف حالة الإحباط واليأس التي تستشري الآن في أوساط الطبقات الاجتماعية الكادحة والفقيرة ، ومن ثم إعادة تفعيل مشروع النهضة القومي الوحدوي كفكرة مركزية توحيدية في الواقع الشعبي العربي ، ونقله من حالة السكون أو الجمود الراهنة إلى حالة الحركة والحياة والتجدد ، بما يمكن من تغيير وتجاوز الواقع الراهن .    

من هنا تأتي أهمية الوعي بالمراحل التاريخية لتطور الرأسمالية، بعد أن نجحت –كما يقول المفكر الراحل رمزي زكي- في فرض برامج التثبيت والتكيف الهيكلي التي تم تطبيقها في بلدان العالم الثالث منذ ثمانينات القرن الماضي، وإعادة صياغة علاقة الجنوب بالشمال على أسس الليبرالية الجديدة التي تعتمد على الأيديولوجية الصارخة لنظام الاستغلال الرأسمالي، الذي بدأ مع نشوء وتوسع النمط الرأسمالي منذ أوائل القرن التاسع عشر.

والواقع، انه منذ أن نشأت الرأسمالية كنظام عالمي، وهي تسعى دائماً لأن تخضع العالم أجمع لمتطلبات نموها وشروط حركتها.

وكان "تكييف" الأجزاء غير الرأسمالية في مختلف أنحاء المعمورة، لكي تتلاءم مع الحاجات المتغيرة، والأزمات المختلفة للمراكز الرأسمالية، شرطا ضروريا ولازما لاستمرار بقاء الرأسمالية وديمومة نموها.

ولهذا فإن مصطلح "عمليات التكيف" الذي راج مؤخرا في كتابات المنظمات الدولية،-كما يضيف رمزي زكي- لا يشير إلى ظاهرة جديدة ، بل في الحقيقة إلى ظاهرة قديمة،قدم النظام الرأسمالي نفسه.

من هنا فإن منطق التحليل العلمي، يتطلب منا، أن نعرض التجارب التاريخية لعمليات التكيف الدولية المختلفة التي فرضتها الرأسمالية العالمية إبان مراحل تطورها المتعاقبة على البلاد المتخلفة.

وسوف نميز هنا بين خمسه "مراحل" أساسية، جرى فيها ضغط لا هوادة فيه من جانب الرأسمالية العالمية على البلاد المتخلفة لتطويع هذه البلاد وإخضاعها لشروط نمو الرأسمالية وحركة تراكم رأس المال بالمراكز الصناعية. وهذه المراحل هي:

1.     مرحلة الكشوف الجغرافية .(تمتد من نهاية القرن15 – منتصف القرن17).

2.     المرحلة المركنتيلية (الرأسمالية التجارية).(منتصف القرن17 – النصف الثاني من القرن18).

3.     مرحلة الثروة الصناعية.(من منتصف القرن18 – سبعينات القرن 19).

4.     مرحلة الاستعمار والتوسع الإمبريالي (من النصف الثاني للقرن 19-1990 (انهيار الإتحاد السوفياتي).

5.     مرحلة العولمة الإمبريالية وصولاً إلى الأزمة المالية العالمية الراهنة.(1990-......)

المرحلة الأولى: مرحلة الكشوف الجغرافية : وهي مرحلة التمهيد لنشأة الرأسمالية، أي فترة الكشوف الجغرافية التي امتدت من نهاية القرن الخامس عشر حتى منتصف القرن السابع عشر، وهي الفترة التي مهدت لتكوين السوق العالمية فيما بعد. عبر اندفاع جحافل من التجار والبحارة المغامرين في أوروبا (أسبانيا، البرتغال....) الى البحار والمحيطات الواسعة من ناحية ولكسر حدة السيطرة التجارية التي كانت تفرضها الإمبراطورية العثمانية على مبادلات أوروبا مع المناطق الشرقية الأفريقية من ناحية ثانية.

ومن هنا، استهدفت حركة الكشوف الجغرافية التي تمت في هذه المرحلة هدفين رئيسيين:-

-                الأول، هو كسر الحصار التجاري الذي فرضته الإمبراطورية العثمانية.

-                الثاني، هو البحث عن الذهب ومصادره.

وبالفعل تمكن عدد كبير من البحارة المعروفين، (فاسكودي جاما، وكريستوفر كولومبس...) بمؤازرة تمويل ضخم من الأمراء وكبار التجار، من الوصول إلى الهند والعالم الجديد (أمريكا الجنوبية والشمالية)، حيث تمكن الأوروبيون من نهب موارد هائلة من الذهب والفضة من البلاد المكتشفة، وتكوين مستعمرات للمستوطنين البيض على المناطق الساحلية، وإقامة محطات تجارية فيها.

وهكذا استطاعوا من تحويل اتجاهات التجارة الدولية وطرقها لصالحهم. وخلال هذه المرحلة التي مثلت فجر الرأسمالية المبكر بدأت أولى محاولات تكييف الهيكل الاقتصادي لتلك البلاد والمناطق من خلال فرض نمط إنتاج كولونيالي عبودي، يقوم على إجبار السكان المحليين لإنتاج بعض المنتجات الزراعية التي كان الطلب عليها قد تزايد في أوروبا، مثل الدخان والشاي والبن والسكر والقطن والأصباغ.(رمزي زكي).

ومن المهم هنا، أن نعي أن وسيلة تكييف هذه المناطق لمتطلبات القارة الأوروبية، كانت هي الغزو الحربي واستخدام القوة والقهر والإبادة الجماعية للسكان وعمليات القرصنة وإراقة الدماء.

المرحلة الثانية : المرحلة المركنتيلية (الرأسمالية التجارية): وهي المرحلة التي تمتد من منتصف القرن السابع عشر وحتى النصف الثاني من القرن الثامن عشر، والتي سيطر فيها رأس المال التجاري الأوروبي على أسواق العالم وظهر فيها ما يسمى بالدول القومية. فقد استطاعت الرأسمالية التجارية من خلال جماعات التجار المغامرين والشركات الاحتكارية الكبرى (مثل شركة الهند الشرقية، وشركة الهند الغربية...) أن تُخضع البلاد المفتوحة لعمليات نهب لا رحمة فيها، وأن تتاجر في أحقر تجارة عرفتها البشرية، وهي تجارة العبيد الذين كانوا يقتنصون من أفريقيا، بأبشع وسائل القنص، ويرسلون إلى مزارع السكر والدخان في أمريكا الجنوبية والشمالية وأوروبا.

وقد استطاعت الرأسمالية التجارية بشركاتها العملاقة ومن خلال ما كونته من إمبراطوريات واسعة، أن تكدس أرباحا ضخمة عن طريق العمل على ترسيخ نمط الإنتاج الكولونيالي الذي أرسى دعائمه المستوطنون البيض في فترة الكشوف الجغرافية. وكان من شأن ذلك تحقيق موازين تجارية مواتية (ذات فائض) لدول القارة الأوروبية. وبذلك تمكنت الرأسمالية التجارية أن "تشفط" ذهب وفضة المناطق الشرقية والأفريقية والأمريكية.

والحقيقة ان تلك الأرباح والثروات الهائلة التي كونها التجار، وفرت أحد المصادر الهامة للتراكم البدائي لرأس المال في مرحلة الثورة الصناعية. وهكذا تمكنت الرأسمالية التجارية من تكييف وتطويع مناطق عبر البحار من خلال رأس المال التجاري، الذي كان قد نما وتطور في هذه الفترة وهو يقطر دماً وتفوح منه رائحة السرقة والنخاسة والغش والخداع.

      المرحلة الثالثة : مرحلة الثورة الصناعية : بدأت هذه المرحلة مع ظهور رأس المال الصناعي، وتحققت الثورة الصناعية خلال الفترة الممتدة بين النصف الثاني من القرن الثامن عشر وحتى سبعينيات القرن التاسع عشر، مع استمرار  المراكز الرأسمالية في تطويع وتكييف المناطق المسيطر عليها.

فلم تعد حاجة الرأسمالية قاصرة على السكر والدخان والبهارات والتوابل والرق والمعادن النفيسة ، بل اتسعت لتشمل المواد الخام التي تلزم لاستمرار دوران عجلات الصناعة، والمواد الغذائية (القمح واللحوم والزبد...) التي تلزم لإطعام سكان المدن والعمال الصناعيين.

ومن ناحية أخرى، سرعان ما أدى النمو الهائل الذي حدث في المنتجات الصناعية بفضل ثورة الماكينات إلى ظهور الحاجة للبحث عن منافذ إضافية لهذه المنتجات خارج الحدود القومية للرأسمالية الصناعية المحلية.

وقد لعبت "ثورة المواصلات" –النقل البحري والسكك الحديدية- وما أتاحته من اتصال بأبعد المناطق، دورا خطيرا في فتح هذه المناطق وغزوها بالمنتجات الصناعية الجديدة. وتشير بعض المصادر، إلى أن التجارة توسعت خلال الفترة 1820-1900 بمعدل أسرع بكثير من معدل نمو الإنتاج الصناعي، إذ تضاعفت واحدا وثلاثين مرة في تلك الفترة.

     وعند هذه المرحلة –كما يقول رمزي زكي- أُرسيت دعائم تقسيم العمل الدولي غير المتكافئ بين البلاد الرأسمالية الصناعية والمستعمرات وأشباه المستعمرات. ففي ضوء التفاوت الحاد الذي برز بين درجة التطور في قوى الإنتاج في البلاد الأوروبية التي دخلت مرحلة الثورة الصناعية، وبين البلاد الأخرى عبر البحار، في افريقيا واسيا وأمريكا الجنوبية والتي ظلت تراوح مكانها وما زالت تعيش في حالة سابقة على الرأسمالية، وفي ضوء التنافس الضاري على التصدير الخارجي وفتح الأسواق الخارجية بالقوة، وجدت مجموعة البلاد الأخيرة نفسها أمام جحافل ضخمة من المنتجات المصنعة الرخيصة نسبيا التي تنافس بشدة الإنتاج المحلي. وقد أدى ذلك إلى دمار الإنتاج الحرفي الداخلي. ومن الآن فصاعدا ، سيفرض على هذه البلاد نمط جديد للتخصص، تقوم بمقتضاه بإنتاج المواد الخام ، الزراعية والمنجمية، على أن تستورد في مقابل ذلك المنتجات المصنعة في الغرب الرأسمالي، وأن تتبع في ذلك سياسة الباب المفتوح، أو التجارة الحرة.

وبذلك أدمجت مناطق وراء البحار، والتي كانت مكتفية ذاتيا وذات بنيان إنتاجي متنوع، أدمجت في الاقتصاد الرأسمالي العالمي لكي تكون منبعا لإنتاج وتوريد المواد الخام والمواد الغذائية وسوقا واسعة لتصريف فائض الإنتاج السلعي الذي كانت تضيق عن استيعابه الأسواق المحلية للرأسماليات الصناعية الغربية.

ومنذ تلك اللحظة التاريخية، سيتحدد مركز وقوة كل بلد في النظام الرأسمالي العالمي بدرجة نموه وتفوقه على الآخرين في التجارة العالمية، وبموقعه في نظام التخصص وتقسيم العمل الدوليين.

      المرحلة الرابعة: مرحلة الاستعمار  والإمبريالية : بدأت هذه المرحلة مع دخول الرأسمالية مرحلة الاحتكار في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حيث زادت درجة تركز الإنتاج ورأس المال، وأخذت المؤسسات الصناعية الكبيرة تزيح من أمامها المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، منهية بذلك عصر رأسمالية المنافسة، وبرزت قوة رأس المال المالي، وهو رأسمال يستخدم في الصناعة بصورة أساسية، وتسيطر عليه البنوك والشركات الصناعية. فلم تعد مهمة البنوك مجرد التوسط لجمع المدخرات وإعادة إقراضها لمن يريد بل "غدت احتكارات قوية" تجمع تحت أيديها الجزء الأكبر من رأس المال النقدي للجماعة، وتتحكم في جانب من وسائل الإنتاج ومصادر المواد الأولية.

وبذلك دخلت البنوك في عملية الإنتاج ، ونفذت إلى الصناعة، وامتزج رأسمال البنوك برأسمال الصناعة، مكونا أقلية مالية هائلة القوة الاقتصادية.

وعند هذه المرحلة تحتدم مشكلة فائض رأس المال داخل البلاد الرأسمالية الصناعية، وتنشأ الحاجة الموضوعية لتصديره. والفائض هنا نسبي وليس مطلقا، بمعنى أنه لا يعني بأي حال من الأحوال ، أن هذه البلاد أصبحت تعج بوفرة كبيرة من رؤوس الأموال، ومن ثم لا تحتاج لاستثمارها بالداخل في الصناعة والزراعة والخدمات، وإنما الفائض يعني هنا، أنه إذا استثمر في الداخل، فإنه سيؤدي إلى تدهور معدل الربح. وهنا يسعى الرأسماليون للبحث عن مجالات خارجية للاستثمار يكون فيها متوسط معدل الربح أعلى من نظيره في الداخل.( وهذه هي السمة الرئيسية لرأس المال الذي يسعى دوماً للتوسع لمزيد من الربح عبر ممارسة أبشع وسائل الاستغلال والاضطهاد لكل الفقراء والكادحين في بلدانه عموماً وفي بلدان الأطراف خصوصاً)

ولهذا فقد شهدت الفترة 1875 وحتى عشية اندلاع الحرب العالمية الأولى، سباقا محموما، ولكن غير متكافئ، بين الدول الرأسمالية الصناعية في مجال تصدير رؤوس الأموال، ولم تعد بريطانيا وحدها تستأثر بهذا التصدير وإنما سرعان ما شاركها في ذلك فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة.

فقد أصبح البحث - في هذه المرحلة- عن مغانم جديدة في افريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية من خلال تصدير رأس المال إليها للاستثمار في مجال إنتاج المواد الخام، أصبح حقلاً للتنافس الضاري بين الدول الرأسمالية الصناعية.

ولهذا فقد تميزت الفترة الممتدة من العقد الثامن من القرن التاسع عشر حتى الحرب العالمية الأولى بصراع محموم بين المراكز الرأسمالية الاحتكارية لاقتسام مناطق العالم وضمان احتوائها للوفاء بمتطلبات استمرار عمليات تراكم رأس المال في تلك المراكز. يشهد على ذلك أنه في عام 1900 كان 90.4% من مساحة افريقيا و 75% من مساحة آسيا قد تم اقتسامها بين القوى الاستعمارية، لكن هذا التقسيم لم يكن متكافئا بين هذه القوى، وهو الأمر الذي أجج صراعا محموما فيما بينها، انتهى بإشعال الحرب العالمية الأولى.

على أن تكييف وتطويع المستعمرات والبلاد التابعة على النحو الذي يلبي حاجات تراكم رأس المال بالمراكز الرأسمالية الاستعمارية، كان يتطلب تحقيق مجموعة هامة من التغيرات الجذرية الداخلية.

وقد تمثلت أهم هذه التغيرات في إدخال نظام الملكية الخاصة للأراضي الزراعية، وإلغاء نظام المقايضة والتوسع في استخدام النقود، وإنشاء نظام نقدي ومصرفي يخضع لآليات نظام النقد الدولي آنذاك (قاعدة الذهب)، والقضاء على نظام الطوائف الحرفية، وخلق طبقة عاملة أجيرة للعمل في المناجم والمزارع والمشروعات الأجنبية بأجور زهيدة لا علاقة لها بمستوى الإنتاجية.

وفوق هذا وذاك، العمل على تكوين شرائح وفئات اجتماعية موالية، ترتبط مصالحها مع المستعمر. كما استخدمت سياسة إغراق هذه البلاد في الديون الخارجية، لإحكام السيطرة عليها والتدخل المباشر في شئونها الداخلية ، وفرض الاحتلال العسكري عليها فيما بعد.

ومن المؤكد ان تلك التغيرات الجذرية وما تمخض عنها من تنظيمات وقوانين وعلاقات اقتصادية واجتماعية وسياسية ، أصبحت تتكفل فيما بعد بإعادة إنتاج واستمرار تقسيم العمل الدولي اللامتكافئ بين الرأسمالية المسيطرة والبلاد المتخلفة المسيطر عليها.

كان لهذه التغيرات نتائج مدمرة على مستقبل تطور المستعمرات وأشباه المستعمرات والبلاد التابعة، فقد تم تشويه بنيانها الإنتاجي من خلال نمط التخصص الذي فرض عليها وتم "شفط" فائضها الاقتصادي وحرمانها ، ومن ثم من مصادرها الذاتية للتراكم، عبر آليات الاستثمار الأجنبي وحرية التجارة.

ثم اندلعت الحرب العالمية الثانية، وكان اندلاعها تجسيما لأزمة كبرى تمر بها منظومة النظام الرأسمالي، وانعكاسا للتناقض الشديد الذي تفجر بين القوى الاحتكارية في الدول الرأسمالية الصناعية.(على أثر بروز ألمانيا النازية وسعيها إلى مزيد من السيطرة على الأسواق العالمية بقوة السلاح)

وما يعنينا هنا أنه في خضم هذه الحرب وما بعدها، نشأت وتطورت حركات التحرر الوطني في آسيا وافريقيا وأمريكا اللاتينية ، لتؤدي في النهاية إلى الحصول على الاستقلال السياسي وخروج المستعمر، أو بعبارة اخرى الى إزاحة نظام السيطرة العسكرية والسياسية والإدارية المباشرة في المستعمرات وشبه المستعمرات، مع استمرار السيطرة عبر أشكال جديدة من الهيمنة الإمبريالية بالتعاون مع الشرائح الطبقية العليا من كبار الملاك والرأسمالية الزراعية والتجارية والكومبرادور إلى جانب الشرائح البيروقراطية في المستعمرات السابقة.

فقد أدركت الرأسمالية العالمية التي تولت قيادتها الولايات المتحدة الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية، أدركت ان إعادة إنتاج علاقات السيطرة والاستغلال تجاه الدول المتخلفة سوف يتطلب أشكالا جديدة، تأخذ بعين الاعتبار التغيرات المختلفة التي طرأت على علاقات القوى النسبية الفاعلة في العالم. وكان الوصول إلى هذه الأشكال هو أهم ما عبرت عنه مرحلة الإمبريالية.

إن السند الرئيسي الذي استندت عليه الرأسمالية العالمية في سعيها الدءوب لتجديد علاقات التبعية والسيطرة على البلاد المتخلفة حديثة الاستقلال، كان يتمثل في استمرارية بقاء الهيكل الاقتصادي التابع والمشوه الذي ورثته هذه البلاد من الفترة الكولونياليه والاستعمارية ، وما يرتبط بهذا الهيكل من شرائح وقوى اجتماعية اعتمدت مصالحها وقوتها في المجتمع على دوام هذا الهيكل.

ومهما يكن من أمر، فإننا لو ألقينا إطلالة سريعة على جوانب الخبرة التاريخية التي تراكمت في العقود السته التي تلت الحرب العالمية الثانية، لنستخلص منها أهم أدوات الإمبريالية الجديدة التي استخدمتها المراكز الرأسمالية الصناعية لاستمرار "تكييف" البلاد المتخلفة بعد حصولها على استقلالها السياسي، لأمكننا رصد الأدوات التالية:

1.      سعت الدول الرأسمالية الاستعمارية إلى إيجاد نوع من العلاقات الخاصة الثنائية مع مستعمراتها السابقة.

2.      استخدام سلاح ما سمي "بالمعونة الاقتصادية" : المعونات الغذائية والهبات والقروض والتسهيلات الائتمانية.

3.      خلق روابط متينة مع بعض الفئات والشرائح الاجتماعية (من أشباه الإقطاعيين من كبار الملاك وكبار التجار إلى جانب ما يسمى بالوجهاء من أبناء العائلات .. الخ) ثم من رجال الحكم الجدد من كبار الموظفين المدنيين والعسكريين (البيروقراطية العليا) من أوساط البورجوازية الصغيرة والمتوسطة في الجيش والإدارة الذي ارتقوا إلى أعلى مراتب السلم الطبقي بدعم صريح من المراكز الرأسمالية، وتحولوا إلى خدام مخلصين لمصالحها كما هو حال الفئات الحاكمة في النظام العربي اليوم.

4.      استخدام القوة العسكرية لوقف تطور بعض البلدان وتفكيكها (العراق والصومال والسودان وفلسطين) وكذلك أسلوب المعونات العسكرية التي قدمت لكثير من الأنظمة الديكتاتورية والرجعية لحماية وتأمين الأمن الداخلي لهذه النظم وقمع أي حركات ثورية بالداخل، ودمجها ضمن الإستراتيجية العسكرية للرأسمالية العالمية، من خلال إقامة القواعد العسكرية والدخول في الأحلاف واتفاقيات الأمن المتبادل (السعودية والإمارات وقطر ودبي والبحرين ... إلخ).

كانت محصلة هذه الأدوات الهامة، استمرار هذه البلاد مجالا مفتوحا أمام الصادرات الاستهلاكية من البلاد الرأسمالية، ومجالاً مربحا للاستثمارات الأجنبية، ومصدرا غنيا ورخيصا للمواد الخام، دون أن تتحقق فيها أي تنمية ذات بال في مجال قواها الإنتاجية وتنويع بنيانها الإنتاجي في سياق تكريس مظاهر وأدوات التخلف والتبعية كما هو حال بلدان النظام العربي الرسمي في هذه المرحلة ، حيث تعمقت تبعية وخضوع الشرائح الطبقية الحاكمة في بلادنا العربية للهيمنة والشروط الأمريكية – الإسرائيلية، ما يؤكد على فقدان هذه الأنظمة لوعيها الوطني بعد أن فقدت وعيها القومي  ولم يعد لها من هم سوى المزيد من استغلال ونهب ثروات شعوبها التي باتت من شدة معاناتها وحرمانها تتطلع بشوق للمشاركة في تغيير وتجاوز هذا الواقع المهزوم.

خامساً: مرحلة العولمة الرأسمالية الأحادية وصولاً إلى الأزمة المالية العالمية الراهنة:

لم يعد ثمة خلاف على أن المتغيرات العالمية ، النوعية المتدفقة ، التي ميزت العقدين الأخيرين من القرن العشرين، في السياسة و الاقتصاد و التطور العلمي ، شكلت في مجملها واقعاً تاريخياً معاصراً و رئيسياً وضع كوكبنا الأرضي على عتبة مرحلة جديدة ، في القرن الحادي و العشرين ، لم يعهدها من قبل ، و لم يتنبأ بمعطياتها ووتائرها المتسـارعة أشد الساسة و المفكرين استشرافا أو تشاؤماً و أقربهم إلى صناع القرار ، خاصة ذلك الانهيار المريع في كل من المنظومة الاشتراكية العالمية و منظومة التحرر القومي من جهة ، و الانحسار أو التراجع المريع أيضاً ، و لكن المؤقت للبنية الأيديولوجية أو الفكرية لقوى الاشتراكية و التحرر القومي من جهة أخرى ، الأمر الذي أخل بكل توازنات القوة و المصالح وفق مفاهيم و أسس الثنائية القطبية التي سادت طوال حقبة الحرب الباردة السابقة ، ووفر معظم مقومات بروز مرحلة الأحادية القطبية أو العولمة منذ ثمانينات القرن الماضي، التي اقترنت بالإمبريالية الأمريكية التي استطاعت -حتى تفجر الأزمة العالمية المالية في سبتمبر 2008- استكمال فرض هيمنتها على مقدرات هذا الكوكب ، بحكم ادعائها أنها المنتصر الوحيد ، و بالتالي صاحبة الحق الرئيسي في رسم و تحديد طبيعة و مسار العلاقات الدولية في المرحلة الجديدة وفق آليات ومفاهيم الليبرالية الجديدة ، لكن تفجر أزمة الرأسمالية الراهنة اكد بصورة جلية على دحض افكار منظري الليبرالية الجديدة أو نهاية التاريخ أو سقوط الايديولوجيا ، بمثل ما أكد ايضا على صحة ما تنبأ به كارل ماركس قبل 150 عاما بالنسبة لطبيعة الاقتصاد العالمي في مطلع القرن الحادي والعشرين ، وذلك استنادا إلى تحليله للمجتمع البورجوازي حيث اشار إلى ان مولد الاقتصاد الدولي المعولم هو أمر ملازم لنمط الإنتاج الرأسمالي ، وان هذه العملية ستولد ليس نموا ورفاهية فقط ، كما كان يبشر به منظرو الرأسمالية وساستها ، بل أيضا تولد نزاعات عنيفة وأزمات اقتصادية ومظالم اجتماعية ليس في بلدانها فحسب بل –وبصورة أكثر بشاعة- في بلدان الأطراف عموما وبلدان وطننا العربي خصوصا من حيث إبقائها رهينة للتبعية والتخلف والخضوع والهيمنة واحتجاز تطورها الصناعي وتنميتها الاقتصادية المستقلة .       
تطور مفهوم العولمة وآثاره الضارة :        
في سياق هذا التحول المادي الهائل الذي انتشر تأثيره في كافة أرجاء كوكبنا الأرضي بعد أن تحررت الرأسمالية العالمية من كل قيود التوسع اللامحدود ، بتأثير هذا التطور النوعي الهائل في مجال الاتصالات وثورة المعلومات والتكنولوجيا ، وقيام التكتلات الاقتصادية العالمية العملاقة ، كان لابد من تطوير وإنتاج النظم المعرفية ، السياسية والاقتصادية التي تبرر وتعزز هذا النظام العالمي الأحادي في ظل حالة من القبول أو التكييف السلبي ، بل والمشاركة أحيانا من البلدان الأوروبية واليابان وروسيا الاتحادية ، شجعت على تطبيق شروط العولمة ، إضافة إلى هذا المناخ العام المهزوم أو المنكسر في بلدان العالم الثالث أو الأطراف ، الذي أصبح جاهزاً للاستقبال والامتثال للمعطيات السياسية والاقتصادية ، الفكرية والمادية الجديدة عبر أوضاع مأزومة لأنظمة محكومة للشرائح العليا من التحالف البيروقراطي الكومبرادوري من ناحية أو لهذه الشرائح أيضاً بالتحالف مع رموز التخلف القبلي أو العشائري كما في مشيخات الخليج والسعودية، وقامت – حفاظاً على مصالحها الطبقية النقيضة لمصالح شعوبها- بتمهيد تربة بلادها للبذور التي استنبتها النظام العالمي " الجديد " تحت عناوين تحرير التجارة العالمية ، إعادة الهيكلة ، والتكيف ، والخصخصة،  باعتبارها أحد الركائز الضرورية اللازمة لتوليد وتفعيل آليات النظام العالمي " الجديد " أو العولمة
Globalization، كظاهرة نشأت في ظروف موضوعية وذاتية –دولية وإقليمية- مواتية ، وليس كحتمية تاريخية كما يدعي أو يتذرع أصحابها أو المدافعين عنها الخاضعين لشروطها المذلة ، فالعولمة ليست في حد ذاتها شكلا طارئا من أشكال التطور البشري ، وإنما هي امتداد بالمعنى التاريخي والسياسي والمعرفي والاقتصادي لعملية التطور الرأسمالي التي لم تعرف التوقف عن الحركة والصراع والتوسع والنمو ، المتسارع والبطيء ، منذ مرحلتها الجنينية الأولى في القرن الخامس عشر ، الى مرحلة نشوئها في القرن الثامن عشر ، ومن ثم تطورها الى شكلها الإمبريالي في نهاية القرن التاسع عشر ، هذه المرحلة التي وصل فيها النظام الرأسمالي طوره الإمبريالي المعولم الذي يسعى –استنادا الى منطق إرادة القوة المتوحشة- الى العودة بشعوب العالم الى جوهر وقواعد مرحلة النشوء الأولى للرأسمالية وآلياتها التدميرية القائمة على قواعد المنافسة الأنانية التي تضمن هيمنة الأقوى للاستيلاء على فائض القيمة المحلي في بلادنا كما في بلدان الأطراف جميعا ، باسم الشعار القديم "دعه يعمل دعه يمر" كدعوة صريحة تستجيب لفكرة الهيمنة التي تشكل اليوم هدف ومحور نشاط المراكز الرأسمالية المعولمة الراهنة ، ولضمان عملية التوسع الاكراهي -بالقوة العسكرية والاحتلال المباشر أو عبر أنظمة التبعية والتخلف والخضوع أو كلاهما معا- ضد مقدرات شعوب العالم الفقيرة باسم الخصخصة والانفتاح والليبرالية الجديدة، تحت ستار زائف من الشكل الأحـادي "الديمقراطي" الليبرالي وحقوق الإنسان (تتكفل به ما يسمى بـ "المنظمات غير الحكومية")، هدفه الضغط على دول العالم عموما ، والعالم الثالث على وجه الخصوص ، للأخذ بالشروط الجديدة تحت شعار "برامج التصحيح والتكيف" التي تمثل كما يقول د.رمزي زكي "أول مشروع أممي ، تقوم به الرأسمالية العالمية في تاريخها لإعادة دمج بلدان العالم الثالث في الاقتصاد الرأسمالي من موقع ضعيف ، بما يحقق مزيدا من إضعاف جهاز الدولة ، وحرمانها من الفائض الاقتصادي ، وهما الدعامتان الرئيسيتان اللتان تعتمد عليهما الليبرالية الجديدة" .          
هذا هو جوهر الإمبريالية في طورها المعولم في القرن الحادي والعشرين ، وبالتالي فإننا نرى أنه ليس نظاما دوليا جديدا ، وإنما هو امتداد لجوهر العملية الرأسمالية القائم على التوسع والامتداد ، وهو أيضا استمرار للصراع في ظروف دولية لم يعد لتوازن القوى فيها أي دور أو مكانة ، ولذلك كان من الطبيعي أن تقوم الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي واليابان، باعتبارها القوة الوحيدة المهيمنة في هذه الحقبة ، بملء الفراغ الناجم عن انهيار التوازنات الدولية السابقة بهذه الصورة الاستبدادية المتوحشة.
 وبنشوء هذا الفراغ ، السياسي ، الاقتصادي ، الأيديولوجي ، أصبحت الطريق ممهدة أمام المخططات التوسعية للرأسمالية صوب المزيـد من السيطرة ، ففي ضـوء وضوح هذه المخططات خلال العقود الثلاثة الماضية تتكشف الطبيعة المتوحشة للرأسمالية المعولمة اليوم على حقيقتها عبر ممارساتها البشعة ضد شعوب العالم الفقيرة ، وضد القيم الإنسانية الكبرى في العدالة الاجتماعية والمساواة ، كما في الثقافة والفكر والحضارة ، وذلك بالاستناد الى المؤسسات الدولية التي تكرست لخدمة نظام العولمة الرأسمالي الراهن ، وهي :          
1. صندوق النقد الدولي الذي يشرف على إدارة النظام النقدي العالمي ويقوم بوضع سياساته وقواعده الأساسية ، وذلك بالتنسيق الكامل مع البنك الدولي ، سواء في تطبيق برامج الخصخصة والتكيف الهيكلي أو في إدارة القروض والفوائد والإشراف على فتح أسواق البلدان النامية أمام حركة بضائع ورؤوس أموال بلدان المراكز الصناعية .

2.منظمة التجارة العالمية WTO وهي أهم وأخطر مؤسسة من مؤسسات العولمة الاقتصادية، تقوم الآن بالإشراف على إدارة النظام التجاري العالمي الهادف الى تحرير التجارة الدولية وإزالة العوائق الجمركية، وتأمين حرية السوق وتنقل البضائع ، بالتنسيق المباشر وعبر دور مركزي للشركات المتعددة الجنسية .      

وفي ضوء هذه السياسات والشروط المحددة من قبل الصندوق والبنك الدوليان من جهة ، ومنظمة التجارة الدولية من جهة ثانية ، أصبحت السياسة التجارية للدول المستقلة ، ولأول مرة في التاريخ الاقتصادي للأمم ، شأنا دوليا ، أو معولما ، وليس عملا من أعمال السيادة الوطنية أو القومية الخالصة … فعلى النقيض من كل ما كتبه مفكرو العولمة ، المدافعين عن إجراءات الخصخصة والليبرالية وتحرير التجارة العالمية ، وآثارها الإيجابية على الدول النامية ، فإن النتائج الناجمة عن اندماج بلدان العالم الثالث في هذه الإجراءات ، تشير الى تكريس مظاهر التبعية السياسية والمالية والتجارية  والتكنولوجية، مع تزايد مظاهر الإفقار والبطالة وتراجع النمو وإعاقة عمليات التنمية في هذه البلدان وفقدانها لجوهر استقلالها السياسي والاقتصادي.

لكن تطور التناقضات الناجمة عن سياسات إقتصاد السوق والمنافسة الحرة والانفتاح بلا قيود أمام حركة رأس المال المالي والسلعي، ادى إلى نشوء وتراكم عوامل الأزمة المالية والاقتصادية التي تفجرت في سبتمبر/ أيلول 2008 ، الأمر الذي يؤذن ببداية مرحلة جديدة _ في إطار النمط الرأسمالي _ تقوم على حساب أحاديه الهيمنة الأمريكية على كوكبنا، وإزاحتها –بدرجات قليلة- صوب نظام قطبي تعددي في الاقتصاد والسياسة العالمية عبر ادوار جديدة ونسبية للاتحاد الأوروبي وروسيا والصين* واليابان والهند والبرازيل في إطار كتل سياسية اقتصادية وقواعد جديدة للعلاقات الرأسمالية العالمية فـي مرحلة ما بعد الأزمـة، دون أن نغفل دوماً دور الاقتصـاد القوي لأي دولة من الدول -خاصة أمريكا والاتحاد الأوروبي- ليلعب دوراً رئيسياً في كوكبنا لحساب النظام الرأسمالي، ودون أن نغفل أيضا تحليل كارل ماركس للرأسمالية ومكانتها في التطور التاريخي للإنسانية ، خاصة تحليله لعدم الاستقرار المركزي للتطور الرأسمالي الذي يمر عبر أزمات اقتصادية دورية تتولد ذاتيا ، ولها أبعاد سياسية واجتماعية كما يقول اريك هوبسباوم الذي يضيف قائلا :" ليس بوسع أي ماركسي أن يصدق ولو للحظة واحدة ما كان يقوله الأيديولوجيون الليبراليون الجدد في العام 1989 بأن الرأسمالية الليبرالية قد وطدت أقدامها للأبد ، وأن التاريخ قد وصل إلى نهايته ، أو أن يصدق بأن بمقدور أي نظام علاقات إنسانية أن يكون نهائيا وحاسما" .

الماركسية* وطريق الخروج من الأزمة الراهنة في بلادنا (أفكار أولية):

 لقد أقامت الماركسية البرهان العلمي على أن الحل المادي لكافة مشكلات الحياة الاجتماعية إنما ينبع من الحل المادي لمسألة علاقة الوجود الاجتماعي ، بالوعي الاجتماعي الذي بدوره يمارس تأثيراً عكسياً على الوجود الاجتماعي .

ولكن لابد لنا – في هذا السياق – من أن نطرح سؤالاً حوارياً .. أليس من واجب المثقف العربي التقدمي الملتزم ، أن يعيد النظر – أقصد بالعقل الجمعي المنظم – بهدوء وعمق ، في كثير من جوانب ومعطيات الماركسية التي تعاطى معها كل أطراف اليسار العربي بشكل ميكانيكي تابع إلى حد بعيد لكل ما كان يصدر عن المركز في موسكو ، دون أي نقاش جدي، أو تحليل نقدي ، بحيث أصبح واقعنا الاجتماعي الاقتصادي العربي في واد ، والنظرية – عبر تلك العلاقة – في واد آخر ، ودون إدراك من تلك الأحزاب اليسارية لأهمية إعادة دراسة عملية التطور التاريخي لبلدان وطننا العربي ، والعالم الثالث أو بلدان الشرق عموماً ، وهو تطور يختلف جوهرياً عن تلك التشكيلات الاجتماعية في أوروبا ، وتسلسلها الذي تناولته المادية التاريخية ؟؟

من ناحية ثانية ، لماذا بقى المثقف العربي – بشكل عام – متلقياً للمعرفة ، عاجزاً عن إنتاجها ؟، لاشك أن الأسباب كثيرة ، ولكن يبدو أننا جميعاً – كما يقول المفكر العربي الراحل محمود العالم[3]  "لا نملك المعرفة الحقيقية بالماركسية " وعلينا أن نعترف بأن " معرفتنا الحقيقية بالماركسية ، معرفة محدودة ، مسطحه ، واليوم ونحن نتساءل عن مصير الماركسية وأزمتها ، فإن تساؤلاتنا وإجاباتنا ستكون بالضرورة محدودة بحدود معرفتنا بالفكر الماركسي " .. لقد غلب الفكر العملي ( البرجماتي ) والفكر النظري الانتقائي والتوفيقي في ثقافتنا الراهنة ، وهذا هو بداية التناقض الرئيسي ( أو الطلاق ) مع الماركسية ، فالماركسية تقف من حيث جوهرها ضد أمرين : ضد التجريد المطلق من ناحية ، وضد التجريب البرجماتي من ناحية أخرى " ، إن " مادية ماركس ، تعني معرفة الاشياء والوقائع كما هي في تحققها الفعلي لا في تصوراتها الوهمية " ولا في جزئياتها المنعزلة عبر النقل الميكانيكي لها.

على أنه – كما يضيف محمود العالم بحق – " برغم ما حدث خلال السنوات الماضية ، وبرغم البلبلة الفكرية التي تغذيها ترسانة البلاد الرأسمالية ضد الفكر الاشتراكي عامة ، والماركسي خاصة ، فلم تبرز الحاجة إلى الاشتراكية وإلى الفكر الماركسي كما تبرز إليه هذه الأيام ، فالحكم على الاشتراكية لا يكون بما أصاب التجربة السوفيتية من انهيار ، وإنما الحكم الصحيح على الاشتراكية والماركسية يكون بما تعانيه الرأسمالية العالمية اليوم من عجز عن تقديم حلول للمشكلات الاساسية للواقع الانساني ، بل وبشراستها العدوانية والاستغلالية ازاء شعوب العالم الثالث بوجه عام وشعوب بلداننا العربية وشعبنا الفلسطيني بوجه خاص" ، وهكذا تبرز الماركسية كضرورة تتطلع إليها هذه الأوضاع التي تزداد تردياً في حياة شعوب البلدان المتخلفة والنامية عموماً وفلسطين وكل بلدان وطننا العربي على وجه الخصوص .

وفي هذا السياق فإن الحديث عن كسر وتجاوز نظام الإلحاق أو التبعية والتخلف الراهن هو حديث عن ضرورة حتمية في المستقبل المنظور لشعبنا الفلسطيني وأمتنا العربية ، ولكن هذه الضرورة ستكون ضرباً من الوهم إذا لم نمتلك وضوح الرؤيا للمخاطر التي تفرضها علينا العولمة الأمريكية وحليفها الاسرائيلي في بلادنا.

من هنا فإن الدعوة إلى مقاومة المشروع الامبريالي الصهيوني وعولمة الاستسلام ، تمثل أحد أبرز عناوين الصراع العربي الراهن ضد التحالف الأمريكي الصهيوني وأدواته في بلادنا، من أجل التحرر والديمقراطية والعدالة الاجتماعية بآفاقها الاشتراكية - ، مدركين أن أحد أهم شروط هذا التحدي العربي لهذه الظاهرة هو امتلاك عناصر ومقومات العامل الذاتي – الحزب الثوري ، الحامل للفكر الماركسي في صيرورته المتجددة، وبمنهجيه نقدية، للفكر والواقع معاً، إلى جانب إمتلاك تقنيات العصر ومعلوماته وفق مفاهيم العقل والعلم والحداثة ، في إطار أيدلوجي تقدمي ينتمي إلى الواقع العربي ويتفاعل معه ويعبر عنه في الممارسة العملية من جهة ، وإلى الاشتراكية كضرورة تتطلع إليها شعوبنا العربية كطريق وحيد للخلاص والتحرر الوطني والقومي و الاجتماعي من جهة أخرى ، إنها مهمة لا تقبل التأجيل ، يتحمل تبعاتها بشكل مباشر المثقف التقدمي الملتزم في كل الأحزاب اليسارية في أقطار الوطن العربي، حيث يتوجب على هذه القوى أن تطرح على جدول اعمالها البدء بالحوار الفكري والسياسي فيما بينها حول الاهداف العامة المشتركة، تمهيداً للانتقال التدريجي صوب الصيغة التنظيمية التوحيدية للحركة الماركسية العربية، إذ أنه في ظل استفحال التخلف وعدم تبلور الحامل الاجتماعي الطبقي النقيض للعولمة وتأثيرها المدمر إلى جانب وظيفة ودور دولة العدو الصهيوني في خدمة النظام الإمبريالي منذ نشأتها ، لا خيار أمام قوى اليسار الماركسي، سوى أن تتحمل مسئوليتها، وهذا يستلزم كخطوة أولى من كافة هذه القوى أن تتخطى شروط أزمتها الذاتية ، وأن تخرج من حالة الفوضى والتشتت الفكري والسياسي والتنظيمي الذي يكاد يصل إلى درجة الغربة عن الواقع عبر التوجهات الليبرالية الهابطة أو العدمية التائهة، وإلا ستتعرض هذه الأحزاب والفصائل والقوى الى التفكك والانهيار تمهيداً لولادة البديل اليساري الثوري من القاعدة الشعبية، سواء في داخل هذه القوى او من خارجها.

لقد آن الأوان لاستخدام النظرية والمنهج العلمي استخداماً جدلياً مع الواقع العربي بكل تفاصيله وخصوصياته ، وذلك على قاعدة الالتزام الأيدلوجي من جهة والالتزام بالديمقراطية وفق احتياجات شعوبنا وليس وفق ما يمليه التحالف الأمريكي الاسرائيلي علينا،  كوسيلة لا بد من نشرها وتعميقها ومأسستها على الصعيد المجتمعي ، وتطويرها من شكلها السياسي أو التعددي الفوقي إلى جوهرها الشعبي الاجتماعي الاقتصادي الذي يمثل نقيضاً لأوهام الليبرالية الغربية وشروطها المعولمة من جهة أخرى .

إن الدعوة للالتزام بهذه الرؤية وآلياتها ، تستهدف في أحد أهم جوانبها ، تكريس وتعميق الهوية الفكرية الماركسية المتجددة في بنية القوى اليسارية، بصورة جدلية وخلاقة وواعية، لتسهم بدورها الطليعي المأمول في وقف حالة الإحباط واليأس التي تستشري الآن في الطبقات الاجتماعية الكادحة والفقيرة ، ومن ثم إعادة تفعيل المشروع النهضوي التنويري الديمقراطي في الإطار القومي التقدمي الوحدوي كفكرة مركزية توحيدية في الواقع الشعبي العربي ، ونقله من حالة السكون أو الجمود الراهنة إلى حالة الحركة والحياة والتجدد ، بما يمكن من تغيير وتجاوز الواقع الراهن عبر نضال القوى اليسارية الديمقراطية العربية – من أجل إقامة مجتمع اشتراكي خال من الاستغلال، قائم على المباديء الديمقراطية والانسانية على طريق تحقيق مجتمع عربي اشتراكي موحد.   



[1]المميزات الاساسية للإمبريالية فى سياق تطورها التاريخى:

*تمركز الانتاج الرأسمالى ، تمركزا أدى إلى نشوء الاحتكارات التى قامت بالدور الحاسم فى الحياة الاقتصادية.

*اندماج الرأسمال المصرفى بالرأسمال الصناعى ، ونشوء "الرأسمال المالى".
*تصدير الرساميل وتشكل اتحادات احتكارية عالمية ، وتقاسم العالم بين الدول الرأسمالية الكبرى.

* العولمة ، في اطار النمط الرأسمالي، هي الشكل الأعلى من تطور النظام الرأسمالي او ما بعد الامبريالية ، وانحسار دور الدولة الرأسمالية لحساب الدولة المركزية الأقوى ، وبروز الدور الملموس للشركات المتعددة الجنسية فى التحكم بقيادة الاقتصاد العالمى ، إلى جانب ذلك نلاحظ بدايات انهيار الدولة المركزية في بلدان العالم الثالث – التي تتعرض الى مزيدمن التراجع والافقار .

 

·  مقابلة مع اريك هوبسباوم أجراها مارشيللو موست  حول أهمية ماركس في الزمن الراهن – شبكة البريد الالكتروني – موقع أجراس العودة

[2]  امتد هذا النمط عملياً منذ المرحلة المركنتيلية أو الرأسمالية التجارية (منتصف القرن 17)، ثم مرحلة الثورة الصناعية (أواخر القرن 18)، ثم مرحلة الاستعمار (منتصف القرن 19)، ثم مرحلة الامبريالية (نهاية القرن 19- عام 1870)، ثم مرحلة العولمة (1985) (الأزمة الحالية) 2008.

* تسبب التحول الشامل إلى اقتصاد السوق الحر + رأسمالية الدولة في الصين إلى تكريس ظاهرة عدم المساواة والظلم الطبقي على نطاق واسع الأمر الذي أدى حسب اريك هوبسباوم  إلى "مشاكل كبيرة لاستقرار المجتمع ، وأثار شكوكا حتى على المستويات العليا للحكومة" .

* منذ بداية القرن الحادي والعشرين وفي ضوء المؤشرات الاولى  للازمة المالية العالمية (في الارجنتين عام 2002 وفي المكسيك واندونيسيا واخيرا في الولايات المتحدة واوروبا والعديد من بلدان العالم مع تفجر الازمة في نهاية 2008) تزايد الاهتمام على الصعيد العالمي بالعودة إلى كارل ماركس من جديد ، حيث تحظى كتبه باهتمام متزايد على نطاق واسع ومتزايد ففي العام 2003 خصصت مجلة "نوفيل أوبزرفاتير" عددا خاصا لكارل ماركس "مفكر الالفية الثالثة" ، وبعد مضي عام على ذلك اختار اكثر من نصف مليون الماني والمانية من مشاهدي قناة ZDF التلفزيونية في استطلاع رأي ، كارل ماركس كأهم شخصية ألمانية على مر العصور ، وجاء ترتيبه الثالث في التصنيف العام والاول في تصنيف "الاهمية الراهنة" . وفي العام 2005 نشرت مجلة دير شبيغل الالمانية صورته على غلافها تحت عنوان "عودة الشبح" ، كما اختار المستمعون الانجليز –في راديو 4 التابع لـBBC- ماركس كأعظم الفلاسفة في التاريخ ، ما يؤكد لكل قوى اليسار العالمي عموما واليسار العربي خصوصا ان هناك ما يمكن تسميته بعملية احياء للاهتمام العام السياسي والاقتصادي بماركس .

[3]محمود أمين العالم – الماركسية وسرير بروكوست – النهج – العدد السادس –1996.

 

Posté par karima2011 à 02:43 - Commentaires [0] - Permalien [#]

29 juin 2011

المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي قائد ثورة الريف

 

المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي قائد ثورة الريف مؤسس حرب العصابات

كتبهاسعيد بن جبلي ، في 15 يناير 2007 الساعة: 18:01 م

المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي  قائد ثورة الريف مؤسس حرب العصابات
الخطابي.. أمير ثائر ودولة ناشئة
 
بقلم: مصطفى عاشور
 
كان المغرب في بداية القرن العشرين يعاني من ضعف وانقسام شديد، تمثل في انقسام الأسرة الحاكمة وصراعاتها الداخلية، واستعانة أطراف هذا الصراع للبقاء على العرش بالقوى الخارجية، أما الوجه الآخر فتمثل في التنافس الاستعماري الشرس بين الدول الكبرى للسيطرة على المغرب وتأمين نفوذها ومصالحها فيه، وبخاصة فرنسا التي كانت تتحين الفرصة للانقضاض على المغرب، غير أنها وجدت إنجلترا وألمانيا واقفتين لها بالمرصاد؛ فلجأت إلى إرضاء إنجلترا من خلال الاتفاق الودي سنة (1322هـ = 1904م) الذي أطلق يدها في المغرب، أما ألمانيا فاضطرت إلى إعطائها جزءًا من الكاميرون حتى تقر باحتلال فرنسا لمراكش في (13 من ذي القعدة 1329هـ = 4 نوفمبر 1911م).
لم يكن دخول فرنسا مدينة "فاس"، أو إعلان الحماية عليها بالأمر الهين اليسير؛ نظرا لطبيعة البلاد الجبلية ذات المسالك الوعرة، وطبيعة السكان البربر الذين اعتادوا الاحتفاظ باستقلالهم الداخلي أمام جميع الحكومات المركزية، ومن ثَمَّ لم يتم إخضاع البلاد إلا بعد مرور أكثر من عشرين عاما لعبت فيها شخصية الأمير الخطابي دورا رئيسيا في الجهاد والمقاومة، ووصف أحد الضباط الفرنسيين الكبار هذه المقاومة الباسلة بقوله: "لم تستسلم أية قبيلة دون مقاومة؛ بل إن بعضها لم يُلقِ سلاحه حتى استنفد كل وسائل المقاومة، واتسمت كل مرحلة من مراحل تقدمنا بالقتال، وكلما توقفنا أنشأ المراكشيون جبهة جديدة أرغمت قواتنا سنوات طويلة على الوقوف موقف الحذر واليقظة في موقف عسكري مشين".
وفرض الفرنسيون الحماية على المغرب في (12 ربيع الثاني 1330هـ = 30 مارس 1912م) وبعد أيام قام المغاربة بثورة عارمة في فاس ثار فيها الجيش والشعب، تزعمها المجاهد "أحمد هبة الله"، وكانت الانتصارات فيها سجالا بين الفريقين، وانتهى الأمر بوفاة الرجل، وتمكن الفرنسيون من بسط نفوذهم على المغرب أثناء الحرب العالمية الأولى.
الريف والأسبان
كانت منطقة النفوذ الأسباني حسب اتفاقية (1322هـ = 1904م) مع فرنسا تشمل القسم الشمالي من مراكش، التي تنقسم إلى كتلتين: شرقية وتعرف بالريف، وغربية وتعرف بالجبالة، وتكاد بعض جبال الريف تتصل بمنقطة الساحل. وتتميز مناطقها الجبلية بوعورة المسالك وشدة انحدارها، غير أنها أقل خصبا من منطقة الجبالة. وتمتد بلاد الريف بمحاذاة الساحل مسافة 120ميلا وعرض 25 ميلا، وتسكنها قبائل ينتمي معظمها إلى أصل بربري، أهمها قبيلة بني ورياغل التي ينتمي إليها الأمير الخطابي.
وعندما بدأ الأسبان ينفذون سياسة توسعية في مراكش، صادفوا معارضة قوية داخل أسبانيا نفسها بسبب الهزائم التي تعرضوا لها على يد الأمريكيين في الفليبين وكوبا، فعارض الرأي العام الأسباني المغامرات العسكرية الاستعمارية، إلا أن المؤيدين احتجوا بأن احتلال مراكش ضروري لتأمين الموانئ الأسبانية الجنوبية، وضَمَّ رجال الدين صوتهم إلى العسكريين.
وكان الأسبان يعرفون شدة مقاومة أهل الريف لتوسعهم، فاكتفوا في البداية بالسيطرة على سبتة ومليلة، ثم اتجهوا بعد ذلك إلى احتلال معظم الموانئ الساحلية المحيطة بمنطقة نفوذهم، وكانت خطتهم تقوم على أن تتقدم القوات الأسبانية عبر منطقة الجبالة لاحتلال مدينة تطوان، التي اتُّفق على أن تكون عاصمة للمنطقة الأسبانية، لكن ظهر في الجبالة زعيم قوي هو "أحمد بن محمد الريسوني" الذي حمل لواء المقاومة منذ سنة (1330هـ = 1911م) حتى تولاها منه الأمير الخطابي.
وقد اصطدم الريسوني بالأسبان عندما احتلوا ميناء أصيلة الذي كان يعتمد عليه في استيراد الأسلحة، وبعدها ساروا إلى احتلال مدينة تطوان، فوقعت مصادمات بينهم انتهت بصلح اتفق فيه على أن تكون الجبال والمناطق الداخلية للريسوني، والساحل للأسبان، غير أن الأسبان نقضوا العهد، وطاردوه، وتوغلوا في بلاد الجبالة بخسائر فادحة، واستطاعوا أن يحتلوا مدينة شفشاون أهم مدينة في تلك البلاد في (صفر 1339هـ = أكتوبر 1920م).
الأمير الخطابي

كانت الثورة الثانية ضد الأسبان هي ثورة الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي، زعيم قبيلة بني ورياغل، أكبر قبائل البربر في بلاد الريف، وقد وُلد الأمير سنة (1299هـ = 1881م) في بلدة أغادير، لأب يتولى زعامة قبيلته، فحفظ القرآن الكريم صغيرا، ثم أرسله أبوه إلى جامع القرويين بمدينة فاس لدراسة العلوم العربية الدينية، ثم التحق بجامعة سلمنكا بأسبانيا، فحصل منها على درجة الدكتوراه في الحقوق، وبذلك جمع بين الثقافة العربية الإسلامية الأصيلة وبعض النواحي من الثقافة الأوروبية، ثم عُين قاضيا بمدينة مليلة التي كانت خاضعة لأسبانيا، وأثر فيه عندما كان قاضيا مشهد ضابط أسباني يضرب عربيا بالسوط في شوارع مليلة، ويستغيث ولا يغاث، عندها رأى الوجه القبيح للاستعمار، وأدرك أن الكرامة والحرية أثمن من الحياة.
وكان الأسبان قد عرضوا على والد الأمير أن يتولى منصب نائب السلطان في تطوان التي تحت الحماية الأسبانية، وأن يقتصر الوجود العسكري الأسباني على المدن، إلا أنه اشترط أن تكون مدة الحماية محددة فلم ينفذ هذا العرض.
وبعد سيطرة أسبانيا على مدينة شفشاون وإخضاع منطقة الجبال، استطاعت أن تركز جهودها وقواتها في بلاد الريف، وأعلنت الحماية على شمال المغرب، فرفض الأب الخضوع للأسبان، وأعلن معارضته للاستعمار، ورفض تقديم الولاء للجنرال الأسباني غوردانا؛ فما كان من الجنرال إلا أن عزل الخطابي عن قضاء مليلة، واعتقله قرابة العام، ثم أطلق سراحه، ووضعه تحت المراقبة، وفشلت إحدى محاولات الخطابي في الهرب من سجنه، فأصيب بعرج خفيف لازمه طوال حياته، ثم غادر مليلة ولحق بوالده في أغادير، وفي هذه الأثناء توفي والده سنة (1339هـ = 1920م) فانتقلت الزعامة إلى الابن.
من القضاء إلى الثورة
تولى الأمير الخطابي زعامة قبيلة بني ورياغل، وقيادة الثورة في بلاد الريف، وهو في التاسعة والثلاثين من عمره، فزحف الجنرال سلفستر قائد قطاع مليلة نحو بلاد الريف، واحتل بعض المناطق دون مقاومة تُذكر، واحتل مدينة أنوال، وتقدم اثني عشر ميلا بعدها؛ فظن أن قبائل بني ورياغل خضعت له، ولم يدرِ أن الأمير الثائر أراد أن يستدرجه إلى المناطق الجبلية ليقضي عليه تماما، وأنه ادخر رجاله لمعركة فاصلة.
بلغ قوام الجيش الأسباني بقيادة سلفستر 24 ألف جندي استطاع أن يصل بهم إلى جبل وعران قرب أغادير مسقط رأس الأمير، وعندها قام الخطابي بهجوم معاكس في (25 شوال 1339هـ = 1 يوليو 1921م) استطاع خلاله أن يخرج الأسبان من أنوال، وأن يطاردهم حتى لم يبق لهم سوى مدينة مليلة، وكانت خطة هجومه في أنوال أن يهاجم الريفيون الأسبان في وقت واحد في جميع المواقع؛ بحيث يصعب عليهم إغاثة بعضهم البعض، كما وزع عددا كبيرا من رجاله في أماكن يمكنهم من خلالها اصطياد الجنود الفارين، فأبيد معظم الجيش الأسباني بما فيهم سلفستر، واعترف الأسبان أنهم خسروا في تلك المعركة 15 ألف قتيل و570 أسيرا، واستولى المغاربة على 130 موقعا من المواقع التي احتلها الأسبان، وحوالي 30 ألف بندقية، و129 مدفعَ ميدان، و392 مدفعا رشاشا.
ولم ينتبه الخطابي إلى ما أدركه من نصر حاسم؛ إذ لو تابع القتال لما وجد أمامه قوة ولدخل حصن مليلة دون مقاومة تُذكر، ولأنهى الوجود الأسباني في بلاد الريف، غير أنه توقف ظنا منه أن للأسبان قوة، وقد هيأ التوقف للأسبان الفرصة لحشد ستين ألف مقاتل، وقاموا بهجوم معاكس في (10محرم 1340هـ = 12 سبتمبر 1921م)، فاستعادوا بعض ما فقدوه، وبلغ مجموع القوات الأسبانية في ذلك العام ببلاد الريف أكثر من 150 ألف مقاتل، ورغم ذلك أصبح وجود الأسبان مقصورًا على مدينة تطوان والموانئ وبعض الحصون في الجبالة.
ويعزو الأسبان وقوع هذه الهزيمة إلى طبيعة البلاد الصعبة، والفساد الذي كان منتشرا في صفوف جيشهم وإدارتهم، وأرسلت حكومة مدريد لجنة للتحقيق في أسباب هذه الكارثة المدوية، ذكرت أن الأسباب تكمن في إقامة مراكز عديدة دون الاهتمام بتحصينها تحصينا قويًّا، كما أن تعبيد الطرق التي تربط بين هذه المراكز كان خطأ كبيرًا من الناحية العسكرية، ويعترف التقرير بأنه لم يكن أمام المراكشيين إلا أن يلتقطوا الأسلحة التي تركها الجنود الفارون، وكشف التقرير حالات بيع بعض الضباط لأسلحة الجيش.

من الثورة إلى الدولة
بعد الانتصار العظيم الذي حققه الخطابي في أنوال ذاعت شهرته في بلاد الريف، وترسخت زعامته فاتجه إلى تأسيس دولة؛ لذلك دعا القبائل إلى عقد مؤتمر شعبي كبير تُمثَّل فيه جميع القبائل لتأسيس نظام سياسي، ووضْعِ دستور تسير عيه الحكومة، وتم تشكيل مجلس عام عُرف باسم الجمعية الوطنية مُثِّلت فيه إرادة الشعب، واتخذ أول قرار له وهو إعلان الاستقلال الوطني وتأسيس حكومة دستورية جمهورية في (المحرم 1340هـ = سبتمبر 1921م)، وتم وضع دستور لجمهورية الريف مبدؤه سلطة الشعب، ونص الدستور على تشكيل وزارات، ونص على أن رجال الحكومة مسئولون أمام رئيس الجمهورية.
وقد أعلن الخطابي أن أهداف حكومته هي عدم الاعتراف بالحماية الفرنسية، وجلاء الأسبان عن جميع ما احتلوه، وإقامة علاقات طيبة مع جميع الدول، والاستفادة من الفنيين الأوروبيين في بناء الدولة، واستغلال ثرواتها؛ فشجع بعض شركات التعدين للعمل في الريف حتى قيل بأن تأييد بعض الأوساط الرأسمالية له في أوروبا إنما كان سببه ارتباط مصالحهم بمشاريع في الريف، كذلك تحول رجاله المقاتلون إلى جيش نظامي، له قواده ومقاتلوه من الفرسان والمشاة المدفعية، وعهد بالوظائف الفنية إلى المغاربة الذين سبق لهم الخدمة في الجيش الفرنسي، وعمل على تنظيم الإدارة المدنية، والإفادة من بعض وسائل الحضارة العصرية؛ فمدّ أسلاك البرق والهاتف وشق الطرق، وأرسل الوفود إلى العواصم العربية ليحصل على تأييدها، وطلب من فرنسا وبريطانيا وبابا الفاتيكان الاعتراف بدولته، وعاصمتهاأجدير (أغادير).
مسألة سياسة
وأثار وضع جمهورية الريف مسألة سياسية هامة أثرت في حياة مراكش، وهو موقف الخطابي من العرش والسلطان المغربي، فنسب البعض إليه أنه اعترف بمبدأ السيادة السلطانية، واستدلوا على ذلك بأنه لم يعلن نفسه سلطانا، غير أن السلاطين من الأسرة العلوية لم يقتنعوا بذلك، واعتقدوا أن دولته تمثل انشقاقا على العرش، واستمر سوء التفاهم هذا بينهم وبين الخطابي حتى عهد السلطان محمد الخامس، ونفى الخطابي أن يكون تطلع إلى عرش مراكش بدليل أنه منع أنصاره من الخطبة باسمه في صلاة الجمعة، وأنه كان مستعدا لقبول الأسرة الملكية الحاكمة، وأن يبايع الوطنيون السلطان الذي يحقق أهدافهم بعد تحرير البلاد.
الأوضاع الداخلية في أسبانيا
أصبحت مشكلة الريف والخطابي هي المشكلة الأولى التي تقلق أسبانيا داخليا وخارجيا، فارتفعت القوات الأسبانية في شمال المغرب بعد شهور من هزيمة أنوال إلى 150 ألف مقاتل، وعرضت مدريد على الخطابي الاعتراف باستقلال الريف بشرط أن يكون استقلالا ذاتيا خاضعا للاتفاقات الدولية التي أخضعت المغرب للنظام الاستعماري، فرفض الأمير الاستقلال تحت السيادة الأسبانية.
وداخليا وقع انقلاب عسكري في أسبانيا في (1 صفر 1342هـ = 12 سبتمبر 1923م) وتسلم الحكم فيه الجنرال بريمودي ريفيرا، فأعلن عن سياسة جديدة لبلاده في مراكش، وهي الانسحاب من المناطق الداخلية والتمركز في مواقع حصينة على الساحل، وأدرك ريفيرا أن تعدد المواقع الأسبانية المنعزلة أمر بالغ الخطورة؛ لأنها محاطة بالقبائل المغربية. أما الخطابي فلم يكن هناك ما يدفعه إلى مهادنة الأسبان، خاصة بعد وثوقه بقدرته على طردهم، وبعد رفضهم الانسحاب إلى سبتة ومليلة؛ لذلك بدأ في عمليات قتالية باسلة ضد القوات المنسحبة اعتمدت على أساليب حرب العصابات، واعترفت الحكومة الأسبانية في تعدادها الرسمي أن خسائرها في الستة أشهر الأولى من عام (1343هـ = 1924م) بلغت 21250 قتيلا وجريحًا وأسيرًا رغم إشراف الجنرال ريفيرا بنفسه على عمليات الانسحاب.
واستطاع الخطابي أن يبسط نفوذه على الريف، رغم استمالة مدريد لزعيم منطقة الجبالا الريسوني، فزحف على الجبالا، ودخل عاصمتهم سنة (1344هـ = 1925م) وصادر أملاك المتعاونين مع الأسبان، وألقى القبض على الريسوني، واقتاده سجينا إلى أغادين حيث توفي في سجنه، فأصبح زعيم الريف بلا منازع، وسيطر على مساحة تبلغ 28 ألف كيلومتر مربع، ويسكنها مليون مغربي.
فرنسا.. والريف
وأدرك الأسبان عجزهم الكامل عن مقاومة دولة الريف الناشئة، وقوبلت هذه النتيجة بدهشة كبيرة من الدوائر الاستعمارية التي لم تكن مطمئنة لحركة الخطابي وعلى رأسها فرنسا التي كانت تتوقع أن يتمكن الأسبان يوما ما من القضاء على هذه الحركة، أما الخطابي فكان يحرض على تجنب الاصطدام بالفرنسيين حتى لا يفتح على نفسه جبهتين للقتال في وقت واحد، إلا أن الأوضاع بين الاثنين كانت تنذر بوقوع اشتباكات قريبة.
والمعروف أن فرنسا كانت تخشى من حركة الخطابي أن تكون عاملا مشجعا للثورات في شمال أفريقية، ويرى البعض أن مصالح الرأسمالية التي استثمرت أموالها في بناء ميناء الدار البيضاء الضخم وفي مشروعات أخرى في منطقة ساحل الأطلسي استحسنت بقاء منطقة الريف مضطربة حتى يصعب استخدام الطريق الموصل بين فاس وطنجة، الذي يحول تجارة مراكش إلى ذلك الميناء، واستقرار الأوضاع في الريف سيؤثر سلبا على مصالحها، يضاف إلى ذلك أن الخطابي حرص على دعوة الشركات الأجنبية لاستغلال موارد الريف الطبيعية خاصة البريطانية؛ وهو ما يعني أن تقترب المصالح الرأسمالية البريطانية من المصالح الفرنسية، وتصبح دولة الريف في حالة من الأمان الدولي في ظل التنافس بين هذه المصالح؛ لذلك يقال: إن بعض الأسلحة البريطانية المتطورة في ذلك الوقت بدأت تتدفق على دولة الريف عبر ميناء الحسيمات.
كما أن قيام جمهورية قوية في الريف يدفع المغاربة دفعا إلى الثورة على الفرنسيين، ورفض الحماية الفرنسية؛ لذلك كرهت فرنسا قيام دولة المغاربة مستقلة، وأرسلت تعزيزات عسكرية على الجبهة الشمالية لها في مراكش، وتحينت الفرصة للاصطدام بها والقتال معها، وفشلت محاولات الخطابي للتفاهم مع الفرنسيين للتوصل إلى اتفاق ينظم العلاقة بينهما، فبعث أخاه إلى باريس، وبعث موفدا له إلى السلطات الفرنسية في فاس، لكنهما لم يتوصلا إلى شيء.
الصدام
كان مجموع القوات الفرنسية في مراكش 65 ألف جندي، وكانت فرنسا ترى أن هذه القوات غير كافية لدخول حرب في الريف؛ لذلك أرسلت قوات إضافية أخرى حتى بلغ مجموع هذه القوات 158 ألف مقاتل منهم 133 ألف مغربي، وفي (رمضان 1343هـ = أبريل 1925م) وقعت شرارة الصدام بين الفرنسيين والخطابي، عندما أمدّ الفرنسيون زعماء الطرق الصوفية بالمال والسلاح ليشجعوهم على إثارة الاضطرابات في دولة الريف، فأدى ذلك إلى مهاجمة الريفيين لبعض الزوايا قرب الحدود، ووجد الفرنسيون في ذلك حجة للتدخل لحماية أنصارهم، وعندما بدأ القتال فوجئ الفرنسيون بقوة الريفيين وحسن تنظيمهم وقدراتهم القتالية، فاضطروا إلى التزام موقف الدفاع مدة أربعة أشهر، واستطاعت بعض قوات الريف التسلل إلى مسافة 20 ميلا بالقرب من فاس، وخسر الفرنسيون خسائر فادحة، ووقعت كثير من أسلحتهم في أيدي الريفيين، فقلقت فرنسا من هذه الانتصارات، وأرسلت قائدها العسكري البارع "بيتان" للاستعانة بخبرته وكفاءته.
أسبانيا وفرنسا ضد الريف
كان صمود جمهورية الريف الناشئة أمام فرنسا وأسبانيا والمناوئين لها من المغاربة أمرًا باهرًا  رائعا وحالة نادرة في تاريخ الحروب الاستعمارية، يرجع جوهره إلى كفاءة الزعماء الريفيين في ميدان القتال والحرب؛ فقد استخدم هؤلاء المقاتلون خطوط الخنادق المحصنة على النمط الذي أقامته فرنسا أثناء الحرب العالمية الأولى، ويكفي الريفيين فخرًا أنهم قادوا الحرب ضد ثلاثة ماريشالات وأربعين جنرالا وحوالي ربع مليون مقاتل فرنسي وأسباني ومغاربي مدعمين بالطائرات والمدرعات وتحت إشراف رؤساء حكوماتهم.
وقد اتخذت فرنسا بعض الإجراءات لتدعيم موقفها في القتال، فأغرت السلطان المغربي بأن يعلن الخطابي أحدَ العصاة الخارجين على سلطته الشرعية، ففعل السلطان ما أُمر به، وقام برحلة إلى فاس لتأليب القبائل على المجاهدين، كذلك نسقت خططها الحربية مع حكومة مدريد، وعقد مؤتمر لهذا الغرض اتفق فيه على مكافحة تجارة السلاح بين الريف وأوروبا، وسمع بتتبع الثائرين في مناطق كل دولة، وتعهدت باريس ومدريد بعدم توقيع صلح منفرد مع الخطابي.
الاستسلام
واتفق الأسبان والفرنسيون على الزحف على جمهورية الريف بهدف تحقيق اتصال عسكري بين الدولتين وخرق الريف، وتقسيم قواته إلى جزأين؛ وهو ما يعرضهم لموقف عسكري بالغ الحرج، إلا أن قدوم الشتاء ببرودته أجَّل هذا الزحف وبعض العمليات العسكرية، وخسر الخطابي في تلك المعارك حوالي 20 ألف شهيد، وبقي بجانبه حوالي 60 ألف مقاتل. اتسعت الحرب في (1344هـ = 1926م) وتجدد الزحف والتعاون العسكري التام بين باريس ومدريد مع تطويق السواحل بأساطيلهما، وقلة المؤن في الريف؛ لأن معظم المقاتلين في صفوف الخطابي من المزارعين، وهؤلاء لم يعملوا في أراضيهم منذ أكثر من عام، وهم يقاتلون في جبهة تمتد إلى أكثر من 300 كم.
ولجأ الفرنسيون إلى دفع المغاربة المتعاونين معهم إلى توجيه دعوة للقبائل لعقد صلح منفرد مع فرنسا أو أسبانيا في مقابل الحصول على حاجاتهم من الطعام، فوجد الخطابي أن الحكمة تقتضي وقف القتال رحمة بسكان الريف وقبائله قبل أن تلتهمهم الحرب، وقبلها الجشع الفرنسي والأسباني والخائنون من المغاربة.
وقد فكر الرجل أن يخوض بنفسه معارك فدائية؛ دفاعا عن أرضه ودينه، إلا أن رفاقه منعوه ونصحوه بالتفاوض، فقرر أن يحصل لبلاده ونفسه على أفضل الشروط، وألا يكون استسلامه ركوعا أو ذلا، ورأى تسليم نفسه للفرنسيين على أنه أسير حرب، واقتحم بجواده الخطوط الفرنسية في مشهد رائع قلّ نظيره في (12 ذي القعدة 1344هـ = 25 مايو 1926م) واستمر القتال بعد فترة. أما هو فنفته فرنسا إلى جزيرة ريونيون النائية في المحيط الهادي على بعد 13 ألف كيلو متر من موطنه الذي شهد مولده وجهاده.
وطال ليل الأسر والنفي بالخطابي وأسرته وبعض أتباعه نيفا وعشرين سنة، قضاها في الصلاة وقراءة القرآن الكريم في تلك الجزيرة الصخرية، عانى فيها قلة المال، فآثر أن يعمل بيديه لتأمين معيشته هو وأسرته، فاشترى مزرعة، وجاهد فيها كسبا للعيش، ولم تفلح محاولاته بأن يرحل إلى أية دولة عربية أو إسلامية؛ لأن فرنسا كانت تعلم أن الرجل يحمل شعلة الحرية في قلبه وهي لم تنطفئ، كما أن كلماته عن تقرير المصير هي عبارات محشوة بالديناميت تفجر الثورات وقبلها نفوس الأحرار.
وفي عام (1367هـ = 1947م) قررت فرنسا نقل الخطابي وأسرته إليها لتضغط به على الملك محمد الخامس لمطالبته الدائمة بالاستقلال، غير أنها استجارت من الرمضاء بالنار، فعندما وصلت الباخرة التي تقله إلى ميناء بورسعيد، التجأ إلى السلطات المصرية، فرحبت القاهرة ببقاء هذا الزعيم الكبير في أراضيها، واستمر بها حتى وفاته في (1382هـ = 1963م).
أهم المصادر والمراجع:
·                  علال الفاسي: الحركات الاستقلالية في المغرب العربي - مطبعة الرسالة - القاهرة - الطبعة الأولى - 1368هـ = 1948م.
·                  صلاح العقاد: المغرب العربي - مكتبة الأنجلو المصرية – القاهرة - الطبعة السادسة 1993.
·                  قدري قلعجي: ثمانية أبطال من العرب - شركة المطبوعات للتوزيع والنشر - لبنان - الطبعة الأولى - 1995م.
عن موقع إسلام أون لاين
 

Posté par karima2011 à 02:19 - Commentaires [0] - Permalien [#]